في منتصف حزيران 2005، ألقت وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة كوندوليزا رايس، محاضرة في قاعة الجامعة الاميركية في القاهرة، أثارت اهتمام الحكومة المصرية والرأي العام.
وخلصت الوزيرة الاميركية في نهاية المحاضرة الى اختصار موقف إدارة جورج بوش بالقول: "منذ ستين سنة وبلادي تدعم الاستقرار والأمن في الشرق الاوسط، على حساب الديموقراطية والتغيير. والمؤسف انها انتهت بعد هذا الوقت الطويل الى خسارة الاستقرار والديموقراطية معاً. لذلك قررنا اتخاذ مسار سياسي جديد يرتكز على دعم تطلعات الشعب وطموحاته".
وكان من الطبيعي أن تفتح دلالات هذه العبارة أبواب الاستنتاج أمام المعارضة التي قرأت فيها تحديات اميركية لحكم استمر أكثر من ربع قرن. كذلك قرأ زعماء الحزب الحاكم في كلام رايس، اعتراضاً غير مباشر على حملة الإعداد لتوريث جمال مبارك، وقد انتجت العلاقات الفاترة بين البلدين سلسلة أزمات صامتة أقنعت واشنطن بضرورة استبدال دور مصر التاريخي بدور تركيا، خصوصاً بعد ظهور ايران كلاعب منافس في منطقة الخليج ولبنان وغزة والصومال واليمن.
وظل هذا الوضع المتوتر قائماً حتى بعد مشاركة الرئيس بوش في قمة "شرم الشيخ" الاقتصادية وامتناع الرئيس مبارك عن توديعه بسبب ملاحظاته القاسية عن "دول لا تحترم حقوق الانسان ولا تمارس الديموقراطية". وكان واضحاً من عنف جواب الرئيس المصري انه اعتبر ملاحظات الرئيس الاميركي بمثابة قنابل سياسية موجهة الى نظامه. وعلى الفور هاجمه مبارك من دون أن يسميه، واتهمه بالانحياز السافر لدولة معتدية لا تحترم حقوق الفلسطينيين ولا تقيم وزناً لإرادة المجتمع الدولي.
عقب دخول باراك أوباما الى البيت الابيض، تبدل مسار السياسة الخارجية الاميركية على نحو مناقض للمسار الذي اعتمدته ادارة بوش. وظهر هذا التغيير واضحاً في الخطاب الذي ألقاه الرئيس أوباما من فوق منبر جامعة القاهرة حيث تعهد بإزالة الخلافات القائمة بين واشنطن والشعوب الاسلامية، وشدد في خطابه على ضرورة احترام خصوصيات الشعوب الاخرى وثقافاتها وتقاليدها. وأعطى لبلاده دور المتعاون على ايجاد الحل وليس دور الذي يفرض الحل.
خلال زيارته واشنطن بعد مقاطعة استمرت خمس سنوات، سمع الرئيس مبارك من مضيفه الرئيس أوباما، كلاماً مطمئناً الى صلابة العلاقات، على رغم التظاهرة الضخمة التي نظمها ضده أقباط المهجر. وقد حرصوا على مشاركة منظمات اسلامية خشية أن يفسر الاحتجاج بأنه عمل طائفي يقوم به الاقباط وحدهم، علماً بأن البابا شنوده الثالث انتقد اسلوب التحدي، وأبلغ زعماء الجالية في الولايات المتحدة بأن "المشاكل في مصر يجب أن تُحل في إطار المناخ الذي ظهرت فيه". وكان بهذا الكلام يشير الى ردود الفعل الخارجية حيال مشكلة إحراق منزل قبطي قرر تحويل منزله الى كنيسة واحتج على ذلك عدد من سكان قرية "الحواصلية" ومدينة المنيا لأن قرار بناء الكنائس يخضع عادة لتصريح خاص من وزارة الداخلية والأوقاف الاسلامية.
حول هذا الموضوع الشائك، أعرب الرئيس مبارك عن اهتمامه بشؤون الاقباط الذين تناقصت اعدادهم في المناصب الرسمية ووظائف الدولة، الامر الذي دفعهم الى الهجرة. وقال ان اهتمامه منصب حالياً على تنفيذ برنامجه الاصلاحي الذي يحتاج الى سنتين من أجل تحقيقه، وهو بالطبع يعالج مسألة الاقباط الذين يعتبرهم جزءاً من النسيج الوطني، مثلما كان يصفهم سعد زغلول والنحاس باشا وزعماء حزب "الوفد" ممن جعلوا اسم مكرم عبيد يتصدر كل قائمة وزارية.
المعارض المصري البارز الدكتور سعد الدين ابرهيم، لمّح في أحاديثه مع الصحف، الى الدور الخفي الذي يلعبه نجل الرئيس جمال، تمهيداً لمعركة التوريث. ومع انه لم يكن في عداد الوفد الرسمي، إلا ان الدكتور ابرهيم أصر على تضخيم دوره على هامش الزيارة، علماً بأن الرئيس مبارك حرص على تجاهل هذا الدور وقال للصحافي الاميركي تشارلي روز (سي بي اس) ان جمال لم يفاتحه بهذا الموضوع. ثم استدرك ليؤكد: "إن الادارة الاميركية
لن تتدخل في هذه القضية، لأن الامر متروك للشعب المصري".
وقد فسرت صحف الموالاة في القاهرة هذا الجواب بأنه ضوء أخضر لسياسة عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى، كما فسرت قرار خفض دعم المنظمات المدنية المهتمة بحقوق الانسان ونشر الديموقراطية في مصر من خمسين مليون دولار الى عشرين مليوناً، بأنه تراجع عن دعم المعارضة المحلية.
أثناء لقائه الموسع مع ممثلي المنظمات اليهودية، حضّهم الرئيس مبارك على تبني خيار السلام لأنه الأمل الوحيد لضمان أمن اسرائيل، وحذرهم من مغبة إهدار الوقت بعد ستين سنة من الحروب والمفاوضات، لأن الفشل هذه المرة سيقود الى مزيد من العنف والارهاب في المنطقة.
يعترف الديبلوماسيون العرب في واشنطن بأن المحادثات التي أجراها الوفد المصري مع كبار المسؤولين في ادارة اوباما "رسمت الخطوط الرئيسة لمشروع السلام الذي سيعلنه الرئيس الاميركي في الخريف المقبل" اي الخطوط التي وضعت في "قصر الاتحادية" بمشاركة الرئيس مبارك ووزير خارجيته احمد ابو الغيط ورئيس الاستخبارات عمر سليمان والرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس ومساعده آفي غيل.
وكان بيريس قد اجتمع قبل انتقاله الى مصر، برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بهدف الحصول على آخر الصيغ المقبولة من الفلسطينيين. وفي هذا الاطار اعدت مسودة "مسار السلام" التي نقلها الوفد المصري الى الوفد الاميركي المؤلف من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والمبعوث الخاص جورج ميتشل ومدير الاستخبارات الوطنية دنيس بلير ورئيس مجلس الامن القومي الجنرال جيمس جونز وخمسة مساعدين من الخارجية.
عقب اعداد المسودة، ارسلت القاهرة نسخة منها الى وزيرة الخارجية كلينتون للاطلاع، وقد ارسلتها بدورها الى البنتاغون والى الرئيس اوباما، وكانت تلك المرة الاولى التي يشترك فيها مسؤولون مصريون واسرائيليون في وضع خرائط ترسم عملية تبادل الاراضي، وتحدد الكتل الاستيطانية. والملاحظ من تفاصيل هذه الوثيقة ان مبادئها الاساسية مستقاة من "مبادرة جنيف" اي المبادرة التي تناوب على صوغها الوزير الفلسطيني السابق سميح العبد وامين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه والجنرال المتقاعد جون دفوريل، الذي خدم في فلسطين مع القوة الاميركية – البريطانية – الكندية. وكان الثلاثة يطلعون الرئيس عباس على كل مرحلة من مراحل تقدمهم.
على الجهة الاخرى، وفي عهد ايهود اولمرت، تمثل الطاقم الاسرائيلي بالعميد شلومو بروم، الرئيس السابق لقسم التخطيط الاستراتيجي في الجيش والمشارك الدائم في المفاوضات مع العرب. الى جانبه وقف العميد ايلان بازودوف رئيس الادارة المدنية سابقا في الضفة الغربية، ورئيس طاقم السلام في عهد باراك الجنرال شاؤول اريئيلي ورئيس مجلس ادارة "مبادرة جنيف" بوعز كارني.
في السابق اعلن نتنياهو عدم التزامه خطوط وثيقة "مبادرة جنيف"، لكنه حاليا مضطر الى اعتمادها اساساً لخطة السلام، كونها الوثيقة الوحيدة التي اتفق على وضعها الفلسطينيون والاسرائيليون.
قبل بلورة اتفاق المصالحة بين "حماس" و"فتح" افترضت الوثيقة ان الوضع السياسي في قطاع غزة سيتغير. ويشير الملحق الامني الى تشكيل خمس لجان مشتركة من اجل مراقبة عمليات التنفيذ. وهي عمليات بالغة الصعوبة تحتاج الى ثلاث مراحل: الاولى – مرحلة ترسيم الحدود بين الدولتين ونشر قوات تابعة للقوة المتعددة الجنسية حول محطات الانذار المبكر. الثانية – مرحلة الانسحاب الاسرائيلي نحو جدار الفصل. الثالثة – مرحلة التراجع الى الحدود الدائمة التي تشمل تبادلا للاراضي، اضافة الى تدشين الممر الآمن بين غزة والضفة الغربية.
المعضلة الاولى التي واجهها معدو هذه الوثيقة، هي التعريف بالدولة المنزوعة السلاح، وبما ان العالم لا يعرف دولا منزوعة السلاح سوى كوستاريكا، فان الخبراء العسكريين اختلفوا حول نوعية السلاح المسموح. الفلسطينيون طالبوا بأن تزود قوات الأمن بقنابل يدوية ومواد ناسفة و"آر بي جي"، بحيث تكون قادرة على صد هجوم ارهابي، في حين سمح الاسرائيليون باقتناء اسلحة لا تشكل تهديداً عسكرياً لأمن دولتهم. اضافة الى هذه التفاصيل، فان المفاوضات المقبلة ستتطرق الى مشاكل اخرى عدة بينها مشكلة رسم خط حدودي طبيعي بين الدولتين. وقد يبدو هذا الامر مستحيلا اذا لم يتفق الفريقان على تدمير جدار الفصل الذي اقامه شارون.
اعلن الرئيس باراك اوباما انه ينوي استكمال التسوية الدائمة في الشرق الاوسط خلال سنتين. وهي الفترة الزمنية التي حددها له الرئيس مبارك قبل ان تنقلب هذه المنطقة الى كتلة من نار بدءا بفلسطين مرورا بلبنان وصولا الى العراق وافغانستان وباكستان. وربما توقع ان تكون موافقة نتنياهو على تجميد عمليات الاستيطان، هي المدخل لموافقة الفلسطينيين على سلام ليس فيه حق العودة ولا القدس الشرقية ولا حدود 1967.
وبناء على هذه الاوهام السياسية، تتوقع كوندوليزا رايس ان ينضم اوباما الى قائمة الرؤساء الاميركيين الذين فشلوا في حل القضية الفلسطينية.
(سليم نصار في اجازة اعتبارا من الاسبوع المقبل)
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)
"النهار"






