ازاحت تفجيرات الاربعاء الدامية كل المشاكل من على طاولة السياسة العراقية واضحى هاجس الامن الشغل الشاغل للمواطنين والساسة على السواء.
وأياً تكن الجهة التي تقع على عاتقها مسؤولية الانفجارات التي استهدفت وزارتي المال والخارجية واماكن اخرى وسقط ضحيتها 100 قتيل واكثر من 600 جريح، فان ما حصل شكل صدمة هائلة واعاد ملف الأمن الى مربعه الاول واخرج بغداد من موسم الأمل بخروجها من دائرة العنف الى دار الخيبة بعودتها اليه.
كل ذلك ارتبط بتضارب كبير في الاقوال والافعال بين الاجهزة الامنية والجهات السياسية التي يتهم بعضها البعض، وليس من الواضح بعد ما سيسفر عن هزة الامن الاخيرة.
بعضهم حمّل تنظيم "القاعدة" والبعث مسؤولية الهجمات وبعضهم الآخر رأى ان وراءها هدفاً سياسياً لاسقاط حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، وآخرون انحوا باللائحة على التقاطعات السياسية وعدم المضي في مشروع المصالحة الوطنية، فيما ذهب آخرون الى ربطها بالانتخابات النيابية المقبلة. لكن هذه التكهنات مجتمعة لا تقلل فداحة ما حدث، كما انها لا تلقي الضوء على حقيقة ما جرى، ولا يمكن الالمام بهذه التقاطعات وفهم ما يدور على الساحة العراقية من دون القاء الضوء على اهم التقاطعات والتضارب في الاقوال عقب هجمات الاربعاء الدامية.
فرئيس الوزراء دعا خلال اجتماع عقده مع قادة الأجهزة الأمنية إلى إعادة تقويم الخطط والآليات التي تتبعها القوات الأمنية في مواجهة المنظمات المسلحة، غير انه لم يفعل شيئا حتى الآن في ما عدا اعتقال بعض الضباط الصغار المسؤولين في اماكن وقوع التفجيرات.
القيادات الامنية من جهتها قررت تغيير خططها وليس من الواضح حتى الآن نوع هذا التغيير وطبيعته.
في حين حمّل وزير الدفاع عبد القادر العبيدي ايران وسوريا مسؤولية ما حصل في اجتماعه مع اعضاء مجلس النواب، فيما اعتبر وزير الداخلية جواد البولاني ان الحدود مسألة مهمة و"وصلنا" الى مستوى متقدم في قيادة قوات الحدود، واضاف: "لكن ملف الحدود مرتبط بعوامل اخرى بعضها يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدول".
حيال هذه التصريحات يقف المراقب حائراً: أي من الوزيرين يصدق؟ من يتهم دول الجوار؟ ومن يقول ان الحدود مضبوطة؟
اما وزير الخارجية هوشيار زيباري فقد كشف صراحة امس "تواطؤ اجهزة امنية وحكومية في الموضوع " قائلاً "ان التفجير الذي حصل قرب وزارة الخارجية ليس من مسؤوليتنا كوزارة، ونحن نتحدى أي خرق امني داخل الوزارة أو في محيطها".
ويؤكد تصريح زيباري وجهة النظر التي تذهب الى حد التضارب والتقاطع بين مختلف الاجهزة الامنية لان وزارة الخارجية تخضع لحماية من القوات الكردية.
ولم يقف الاتهام بتواطؤ الاجهزة الامنية عن حدود الديبلوماسية، بل تعداها ليشمل قيادات امنية، اذ قال مدير العمليات في وزارة الداخلية اللواء عبد الكريم خلف في تصريحات صحافية ان التحقيقات مع 11 ضابطا تم توقيفهم عقب تفجيرات الاربعاء، اثبتت تواطؤهم مع الجماعات الارهابية التي نفذت الجريمة، وتقصيرا وتواطؤا واضحا لتمرير العمليات لصالح الخلايا الارهابية وتنظيم "القاعدة"، محملاً عمليات بغداد التابعة للجيش العراقي مسؤولية ما حدث، مما يعني انه يبرئ ساحة وزارة الداخلية، وهذا الامر بدوره يلقي الضوء على حدة المشاكل القائمة بين رجال السياسة والأمن من جهة وبين رجال الامن في ما بينهم من جهة اخرى.
وقال الناطق باسم وزارة الدفاع اللواء محمد العسكري لمجموعة من المسؤولين العسكريين الأميركيين والعراقيين، إنه يجب مواجهة الحقائق والاعتراف بالأخطاء.
وحاول الناطق باسم قيادة عمليات بغداد اللواء قاسم عطا التغطية في اليوم الاول وتحدث عن اصابة بضع مواطنين، لكنه اضطر لاحقاً الى الاعتراف بأن التفجيرات وقعت بسبب إهمال وخرق أمني تتحمل القوات العراقية معظم المسؤولية عنه.
وعبّر القائد الاميركي المسؤول عن تدريب القوات العراقية الجنرال فرانك هيلميك عن "إحباطه" من سلسلة الهجمات، وقال: "من الواضح أنه كانت هناك انتكاسة أمنية، وإلا لما كانت تلك التفجيرات لتحدث". واتت تلك التصريحات بعدما جدد مسؤولون اميركيون ثقتهم بقوات الامن العراقية في اعقاب الحادث.
تجسس البعض على البعض
وربما يفسر ما ادلى به مصدر استخباراتي عراقي لوكالة "رويترز" اول امس كل ماجرى من اعمال عنف وخروق امنية خطيرة، فضلا عن التضارب في التصريحات بين مختلف الجهات الامنية والسياسية.
هذا المصدر وصف طبيعة عمل الاجهزة الامنية كالآتي: "نحن عبارة عن عشرات الخلايا الاستخبارية، وكل منا تابع لجهة سياسية، وبدل ان ننشغل برصد التحركات المعادية، تجدنا منشغلين برصد تحركات بعضنا وكتابة تقارير عن بعضنا".
من جهته، اقر نائب رئيس لجنة الامن والدفاع في البرلمان العراقي بعدم وجود تنسيق بين اجهزة الامن المختلفة، وقال في تصريح لـ"النهار": "نحن بحاجة الى اعادة النظر في الملف الامني، وعدم التنسيق والتضارب بين مختلف الاجهزة الامنية مرده الى عدم وجود استراتيجية مركزية في السياسة الامنية ومكافحة الارهاب ".
اما المحلل والخبير الاستراتيجي فوزي عبد الرحيم فعزا المسألة برمتها الى عدم وجود "عقيدة سياسية" لمجمل القوات الامنية. وقال لـ"النهار" ان "تشكيل المؤسسة الامنية معقد وعميق وله علاقة بطبيعة النظام السياسي. المؤسسة الامنية السابقة مؤسسة عريقة وكفية لانها كانت ترتبط عقائديا بالنظام السياسي ورجل الامن والمسؤول الحزبي في السابق كان يفهم ما يريده النظام السياسي، اما اليوم فلا يفهم اي شيء". واضاف: "عندما اسس الاميركيون المؤسسة الامنية فانهم راعوا اعتباراتهم ولم يراعوا الاعتبارات العراقية. صحيح ان انشاء مؤسسة امنية بعيدة من السياسة تستند الى الحرفية، لكن ذلك لم ينتج منه عقيدة عسكرية".
وبسؤاله عن التضارب والتقاطع في التصريحات بين مختلف الجهات، قال: "يلاحظ عند حدوث اي خرق امني توزع الاتهامات على الاميركان وايران والسعودية والقاعدة والى آخره، الامر الذي يعني ان المؤسسة الامنية ليس لديها معرفة حقيقية بالجهة المعادية ولديها مشكلة حقيقية بمعرفة من هو العدو".
وشدد على انه "في الوقت الذي ترتبط عملية بناء المؤسسات الامنية ببناء مؤسسات الدولة ، نلاحظ عدم وجود هذه المؤسسات بل نجد رغبات لبناء مؤسسات حكومية فقط، بدليل تصريح المالكي قبل ايام بأنه سيقضي على الارهاب في غضون أربعة اشهر، وهذه رغبة وليست تصوراً مؤسساتياً واضحاً".
بغداد – من فاضل النشمي
:النهار:






