كان واضحا ان الاسباب التي طرحتها "حماس" تبريرا لرفضها المبادرة المصرية غير جوهرية. وهي لم تكلف نفسها، على كل حال، عناء البحث عن اسباب مقنعة، فالانقسام الفلسطيني بات امرا طبيعيا الى حد ان عكسه هو غير الطبيعي.
لقد وصلت "حماس" الى السلطة عبر صناديق الاقتراع في انتخابات نزيهة، والانقلاب العسكري في غزة على "فتح" ليس انقلابا على هذه العملية الديموقراطية بقدر ما يشكل تتمة لها، اذ من الصعب تصور إقدام "حماس" على طرد "فتح" من غزة من دون الاستناد الى اكثريتها في المجلس التشريعي والى تسلمها رئاسة الحكومة.
لقد كان الانقلاب شرعيا، بمعنى انه اتى بعدما اثبتت "حماس" انها تمثل اكثرية الشعب الفلسطيني، وهذه نقطة قوتها. اما نقطة ضعفها فهي عدم استعدادها لتكرار التجربة، اي العودة الى صناديق الاقتراع، وحرمان الحركة شرعية سيطرتها المباشرة على غزة.
من هنا ستكون خطوات "حماس" المقبلة مدروسة في اطار خطة اوسع لم يعد الاقتراع يشكل بندا رئيسيا فيها. فالموقع في غزة يزودها بامكان تطوير الوضع الفلسطيني وإنضاجه في… الضفة تمهيدا لمد سيطرتها عليها، لا للعودة الى التجربة الفاشلة حيث كانت "حماس" تلعب دور المعارضة نصف الشرعية ونصف العسكرية في وجه "فتح" السلطة الفلسطينية.
وعلى طريق التمهيد لمد سيطرتها تملك "حماس" ما هو اكبر من الموقع الجغرافي.
فمن المعروف ان المفاوضات التي تخوضها السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس لن تصل الى صيغة يمكن عرضها على الفلسطينيين باعتبارها نهاية المطاف لنضالاتهم منذ انطلاق الثورة الفلسطينية.
لا الوضع الاسرائيلي ينسجم مع مثل هذا التوقع، ولا الوضع الاميركي يبشر بأننا نقترب من التسوية النهائية.
ويكفي لترجيح ذلك اسرائيليا إلقاء نظرة على الازمة التي يتخبط فيها حزب العمل واليسار الاسرائيلي عموما. فمنذ مؤتمر مدريد في مطلع التسعينات ونحن نشهد على تراجع وزن "العمل" في الحياة السياسية الاسرائيلية وصولا الى تحوله شريكا ثانويا في اي ائتلاف حكومي يقوده اليمين بأجنحته.
وتوقعات الانتخابات المقبلة تجعل الطموح السابق لدى حزب العمل، باعتباره البديل الجاهز دائما لليمين، من التاريخ.
اما اميركيا، فرغم كل الاحتفالية بوصول باراك أوباما الى منصب رئيس الولايات المتحدة فانه لم تصدر حتى الان اشارة مقنعة بأنه يستطيع في المسألة الفلسطينية ان يستأنف خط الادارات، القليلة، التي استطاعت في التاريخ الاميركي ان ترغم اسرائيل على تقديم تنازلات تعوّم "اعداءها" العرب.
ان المعنى الرمزي لوصول أوباما ووعوده بسياسات شرق اوسطية مختلفة جذريا عن سياسات ادارة جورج بوش، تتوقف دائما عند "الحاجز" الفلسطيني. ويمكن القول بدون مبالغة ان الرئيس الاميركي المنتخب لا يملك سياسة بالنسبة للقضية الفلسطينية، وهو لم يكن على كل حال مكرها على صوغ مثل هذه السياسة.
تستطيع "حماس" اذاً ان تراهن باطمئنان على ان الاشهر المقبلة، اذا لم نقل اكثر، ستكون مجالا لإثبات صحة وجهة نظرها القائلة بأن آفاق التسوية مسدودة وانه لا بديل من المقاومة، مقاومتها هي امام الفلسطينيين.
المراهنة الواقعية تآكل مشروع السلام، تعني مراهنة واقعية على ضعف السلطة الفلسطينية وطرفها الاساسي "فتح".
واذا اضفنا الى هذه المراهنة قدرة "حماس" على جعل جبهة غزة تلتهب، وتطوع اسرائيل اصلا لمثل هذا الدور، يصبح اي موقع ستحتله السلطة الفلسطينية في نظر الشعب الفلسطيني في المدى المنظور.
لقد انتهى خيارها العسكري، وخيارها السلمي لا يتجاوز دائرة الاوهام. لذلك لا تبدو مراهنة "حماس" على الزمن عقيمة، ايا تكن صعوبات الحصار الذي تفرضه اسرائيل على غزة، والذي يتطور دائما لينال من صورة مصر، الطرف الآخر في الحصار، او الحدود المفتوحة، على المشكلة الفلسطينية.
من هنا يبدو ان العملية الديموقراطية الفلسطينية التي غذت آمالا كثيرة في ما مضى تتحول الى اثبات للنظرية التي تقول ان الاسلاميين يتبنون الديموقراطية فعلا، لكن لمرة واحدة.
"النهار"




















