ثمة وقائع لا يمكن لأحد الشك فيها. ثمة اعتداءات حصلت في لبنان استهدفت قوى رسمية ومدنيين. ثمة هجمات وقعت في سورية استهدفت ايضا قوى رسمية ومدنيين. وثمة مجموعات ارهابية نفذت هذه العمليات، وإن تعددت التسميات. وسواء صدّق المراقب الاعترافات المتلفزة السورية التي تهدف الى تحميل مسؤولية هذه الاعمال لطرف لبناني، هو تيار «المستقبل»، او انحاز الى رواية صحيفة هذا التيار لتحميل المسؤولية للاستخبارات السورية، ثمة خلاصة واستنتاج يفرضان نفسيهما، ومفادهما ان أي محاولة لاستغلال التطرف والإرهاب ترتد على صاحبها، وأحياناً على نحو أسرع مما يتوقع. وهذا ما أثبتته كل تجارب الذين تجاوروا مع التطرف او حاولوا توظيفه لأغراضهم السياسية، في البلدان العربية او في العالم. والهجمات التي استهدفت الولايات المتحدة في ايلول (سبتمبر) 2001، تجد جذورها في البيئة التي وفرتها الحرب على الاتحاد السوفياتي في افغانستان في سبعينات القرن الماضي، والظروف التي انشأها التحالف المناهض للسوفيات في باكستان وغيرها. وارتد هذا التجاور على البلدان العربية، ارهابا وقتلا، في مصر والمغرب العربي، قبل ان يعود الى الضرب في الخليج، مع الغزو الاميركي للعراق.
واذا كان تنظيم «فتح الاسلام» تحوّل قضية في لبنان، مع اضطرار الجيش للرد عليه في مخيم نهر البارد، فإن جذور التشدد والإرهاب تعود الى تلك المرحلة التي كانت فيها اطراف في لبنان، ومنها الوجود العسكري السوري، ترى ان ثمة مصلحة في التعاون مع المجموعات المتشددة، وتوظيفها في معارك داخلية لضبط حركة المعترضين، أو توزيع رسائل سياسية. ومع اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وما اثاره من ردود ذات طابع مذهبي، بدا ان ثمة مسعى للاستفادة من حال التضامن الطائفي، خصوصاً في الانتخابات النيابية التي اعقبت الاغتيال. وفي الغضون نسجت علاقات وولدت مصالح سياسية، لا تحمل بالضرورة طابعاً جرمياً، لكنها تظهر اليوم وكأنها ادلة اثبات. وذلك من دون النظر الى اهمية ما كان يحصل في مخيم البارد، والتشابك اللبناني – اللبناني واللبناني – الفلسطيني واللبناني – السوري، والامتدادت العربية والاقليمية لهذا التشابك.
واليوم نحن امام هذه اللوحة المكتملة العقد والتشابك، على نحو يظهر وكأن مسألة الارهاب تخص طرفا سياسيا لبنانيا معينا في معركة اعلامية استخباراتية مع سورية. بما يخفي، او يحاول اخفاء، ان المعني الاول هو الدولة اللبنانية، واللبنانيون بكل فئاتهم. وبما يغفل، او يحاول اغفال، ان السلطة اللبنانية التي لم تتعاف بعد من زلزال الاغتيالات والحرب الاسرائيلية، في حاجة ماسّة الى التزام شديد ببنود التسوية، في شقها اللبناني وفي شق العلاقات مع سورية، استناداً الى صيغة التبادل الديبلوماسي. وبما يجعل الانتخابات النيابية المقررة في الربيع المقبل، استحقاقا محفوفا بالمخاطر.
ومع تحوّل «حرب الاعترافات المتلفزة» الى «حرب المكالمات المسجلة»، ومع ما تنشره الصحافة اللبنانية، خصوصا تلك المرتبطة سياسيا، عن «تحقيقات قضائية» و «معلومات استخباراتية»، يجدر التساؤل عن مدى الخدمة التي يمكن ان يجنيها القضاء الفعلي من كشف الجوانب الجرمية والمسؤوليات الفعلية عن الاعمال الارهابية. لا بل يمكن التساؤل عن اللامبالاة ازاء هذه الظاهرة، علماً ان المسألة تتعلق بأمن الوطن والمواطنين. وتفسير هذه اللامبالاة بالعجز ليس مقبولا، ما دامت الاطراف السياسية التزمت تسوية تعيد الى الدولة مهمة الامن الداخلي على الاقل. والتزامها الطوعي بتسهيل مهمة القضاء والاجهزة المعنية، في التوصل الى معرفة مصادر التهديد، جزء اساسي من هذه التسوية.
وبما ان الامور ليست كذلك، فغالب الظن ان كل هذه «الحروب» التي تتخفى وراء الحرص على مواجهة الارهاب والتصدي له، ليست سوى وسائل لتحقيق اغراض سياسية، تتضرر منها هيبة الدولة والقضاء والسلم الأهلي والعلاقة المستجدة مع سورية.
"الحياة"




















