المستقبل –
عندما أعلنت إسرائيل اصرارها على المضيّ قُدماً في بناء المزيد من المستوطنات اليهودية في القدس خاصة، وفي انحاء مختلفة من الضفة الغربية، لم تجد الولايات المتحدة الأميركية ما تردّ به سوى الإعراب عن الأسف.
ولمّا أقدمت إسرائيل على ارتكاب جريمة اخرى بطرد عائلات فلسطينية عربية من حيّ الشيخ جراح في القدس القديمة لمصادرة بيوتهم، كان الردّ الأميركي الشديد اللهجة هو الأسف.
أسفت الولايات المتحدة للموقف الإسرائيلي السلبي من مبادرة التسوية العربية.
وأسفت لرفض إسرائيل الانسحاب من مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا اللبنانية المحتلة.
واسفت للموقف الإسرائيلي الرافض لاستئناف مباحثات التسوية مع سوريا عبر الوسيط التركي.
ثم أسفت لرفض إسرائيل التحذيرات الاميركية بالإقدام على الهجوم على المفاعل النووي الايراني، وهو الرفض الذي أعلنه رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو أثناء زيارته التفقدية لمفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي في صحراء النقب!!.
من هنا السؤال: ألا تملك الولايات المتحدة ما هو أكثر من الأسف؟.
مع ذلك، يخشى أن يصبح حتى مجرد الإعراب عن الأسف الأميركي تجاوزاً لمقتضيات التحالف الستراتيجي الأميركي الإسرائيلي.
فقد بدأت حملة سياسية اعلامية منظمة داخل الولايات المتحدة ضد الرئيس باراك أوباما شخصياً. وانطلقت هذه الحملة مباشرة بعد اجتماعه في البيت الأبيض بممثلي الجمعيات اليهودية والصهيونية الاميركية بهدف الاستقواء بها من أجل ليّ ذراع حكومة نتنياهو المتطرفة. والمنطق الذي اعتمده الرئيس أوباما ينطلق أساساً من الرغبة في المحافظة على المصالح الستراتيجية لإسرائيل في الأمن والسلام الدائمين. الا انه بدا من خلال ذلك وكأنه يحاول "أن يقود إسرائيل الى الجنة بالسلاسل". فالإسرائيليون اتخذوا قرارهم بالانعزال عن المنطقة وليس بالسلام معها.
ويشكل الجدار العنصري حول القدس والضفة الغربية، رمزاً أساسياً لارادة الانعزال بما تعنيه من رفض للتعامل أو للتعايش مع الفلسطينيين.
ومما يؤكد ذلك، التمسك بيهودية الدولة الإسرائيلية، بمعنى اخراج غير اليهود منها من عرب مسلمين ومسيحيين. كما يؤكده الرفض الإسرائيلي القاطع لمبدأ عودة اللاجئين الفلسطينيين ولو في اطار الحدّ الأدنى وهو إعادة جمع العائلات.
فالتناسق بين أضلاع المثلث: يهودية إسرائيل، والترانسفير ـ أي إخراج من تبقّى من عرب 1948 ـ ورفض عودة اللاجئين، من شأنه أن يغلق الباب على أي صيغة واقعية لتسوية سياسية تؤدي الى السلام.
فمع مصادرة الأراضي الفلسطينية وطرد العائلات العربية، وتوسيع المستوطنات، يأخذ الجدار العنصري بعده التجسيدي للانعزال الإسرائيلي عن الفلسطينيين خاصة، وعن العرب عامة ؛ وبالتالي يؤكد محاولة تحويل إسرائيل الى "سبارطة" جديدة مماثلة لتلك التي عرفها تاريخ الصراعات والحروب الاغريقية في العهود الغابرة.
ولكن حتى اذا كان بالإمكان اقامة "سبارطة يهودية"، فهل يمكن أن تكون قابلة للحياة؟.. والى متى؟.
يستحيل التعايش بسلام مع رفض الآخر (المسلم والمسيحي)، كما يستحيل التعايش مع الانعزال عن الآخر أو عزله. فلم يعد في العالم عازل أو معزول. العالم كله أصبح منفتحاً ومتداخلاً، حتى إن مفاهيم السيادة والاستقلال اصبحت لها تعاريف جديدة.
من أجل ذلك تتناقض مبادرة الرئيس الاميركي للتسوية مع الواقع الإسرائيلي الذي تمثّله حكومة نتنياهو. فالرئيس الأميركي في واد ونتنياهو في واد آخر.
حاول الرئيس باراك أوباما أن يقنع الزعماء اليهود الاميركيين بخطأ وبخطورة الخيار الإسرائيلي السلبي. واعتقدَ انه يستطيع من خلال ذلك استخدامهم للضغط على الحكومة الإسرائيلية لاعادة النظر في مواقفها بما يتجاوب مع المبادرة الأميركية.
ولكن الحملة الشعواء التي يتعرّض لها الرئيس الاميركي من بعض أعضاء الكونغرس، وفي بعض الصحافة الأميركية تشير الى ان ما حدث كان على العكس تماماً. اذ ان نتنياهو هو الذي أقنع هؤلاء الزعماء بخطأ وبخطورة مبادرة أوباما على إسرائيل وعلى مستقبلها كواحة آمنة ليهود العالم!!.
من هنا السؤال: هل ينكفئ الرئيس أوباما تحت الضغط العكسي الذي بدأ يواجهه من اللوبي الصهيوني الأميركي؟. وهل للمتاعب المتصاعدة التي بدأت تنفجر في وجه ادارته علاقة بهذا الأمر؟. أم انه سيبحث عن مخرج جديد؟.
يبدو واضحاً ان الانكفاء سيكون تطوراً سلبياً خطيراً ليس على ادارة الرئيس أوباما فقط، انما على احتمالات التسوية السياسية في الشرق الأوسط. فالرجل لا يزال في مطلع عهده، واذا انكفأ فمعنى ذلك ان ملف التسوية في المنطقة سوف يُطوى كما حدث مع الرئيس السابق جورج بوش، الأمر الذي يعيد الأزمة الى نقطة الصفر مرة اخرى.
أما التصوّر المقترَح عن صيغة المخرج الجديد، فلا يبدو انه أقل سوءاً. ذلك انه يقوم على انتزاع تنازلات جديدة من الدول العربية. ويتمثل ذلك في دعوة الادارة الأميركية هذه الدول بل ودول العالم الاسلامي كله ايضاً الى تطبيع العلاقات مع إسرائيل لتطمينها ولتشجيعها على قبول الانخراط في مبادرة التسوية الاميركية. وهذه عملية أشبه ما تكون بوضع العربة أمام الحصان.
حتى الآن لم تضغط الولايات المتحدة على هذه الدول لتقديم التنازلات المطلوبة، ولكنها تحثّهم على ذلك. وبين الضغط والحثّ، خيط دبلوماسي رفيع.. لن يصمد أمام حركة التراكتورات الإسرائيلية التي تصادر الأرض لبناء المستوطنات!!.






