في مقال كتبه الرئيس الافغاني حامد كارزاي في صحيفة «الغارديان» البريطانية الاسبوع الماضي، شكا بوضوح من ان الاميركيين وحلفاءهم الذين شنوا قبل سبع سنوات حرباً على الارهاب أدت الى احتلال بلاده، لم يستمعوا الى نصيحته وتحليله الذي يقول ان الانتشار في قرى افغانستان وحدها ليس كافيا للقضاء على تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان»، وان الامر يتطلب «عملية اقليمية» تشمل باكستان والهند ايضا، حيث يلقى المتطرفون دعما سياسيا وغطاء شعبيا وموارد تمكنهم من الصمود، مستبشرا خيرا بالتغيير الذي حصل في اسلام آباد وأوصل زرداري الى الحكم.
ولم تمض أيام على مقاله هذا حتى فاجأ كارزاي العالم بعرضه الحماية على زعيم «طالبان» الملا عمر اذا قرر التفاوض حول وقف القتال، وقال: «اذا علمت ان الملا عمر يريد التفاوض من اجل السلام فإنني بوصفي رئيسا لأفغانستان سأبذل قصارى جهدي لحمايته». وجاء الرد سريعا من الحركة المتزمتة التي قال احد قادتها «نحن في أمان في بلادنا ولسنا بحاجة لعرض كارزاي لتوفير الأمان، وسنواصل الجهاد ضد القوات الاجنبية وعبيدها الافغان».
وبدوره، رأى البيت الابيض انه «لم يلاحظ اي بادرة حسن نية من جانب الملا عمر، ولا أي استعداد للتخلي عن العنف وقطع كل صلاته بالقاعدة ودعم الحكومة ودستور افغانستان».
وبذلك يكون عرض النظام الافغاني خدماته كطرف «محايد» بين الاميركيين و «طالبان» قد سقط فور تقديمه، على رغم تلميحات اميركية سابقة الى استعداد الولايات المتحدة للتحدث مع اي قيادي «طالباني» يقرر التخلي عن «القاعدة». لكن أين يقف حاليا مختلف الاطراف المعنيين بالمسألة الافغانية؟
أول من امس، جدد الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما التزامه ووعوده بتصعيد القتال ضد الحركتين اللتين تعتبرهما واشنطن شريكتين في المسؤولية عن اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر)، مؤكدا ان اعتقال اسامة بن لادن او قتله «والتخلص نهائياً من القاعدة» سيكون من ابرز اولوياته كرئيس. لكن الحرب الافغانية لم تعد تتمتع، بعد سبع سنوات على بدئها وبعد تجربة العراق المرة، بتأييد الاميركيين الساحق، كما ان تكاليفها الباهظة تبدو انفاقا في غير محله في ظل الازمة الاقتصادية والمالية. ومن ناحية ثانية سيلحق التصعيد العسكري المزيد من الخسائر بالمدنيين الذين يشكلون درعا قسرية لمقاتلي «طالبان»، ما سيزيد الضغط على نظامي كابول واسلام آباد.
اما الحركة المتطرفة، فليست مستعجلة لتقديم تنازلات، وترى ان الاميركيين لا يملكون ترف الوقت الذي يلعب لصالحها، وهي تشن حرباً منظمة ضد المدارس (تم إحراق المئات منها وخصوصاً مدارس الطالبات) ومنظمات الاغاثة الدولية والجمعيات الاهلية، لكنها في الوقت نفسه تظهر تراجعاً واضحاً في قدرتها على توجيه ضربات قاسية الى قوات التحالف بسبب شدة الحصار المفروض عليها ووتيرة الضربات الجوية المتلاحقة لكوادرها، وهذا يجعل موقفها التفاوضي اذا تم ضعيفا.
وبالنسبة الى كارزاي نفسه، فإن عرضه توفير الحماية للملا عمر فيما هو بالكاد يستطيع تأمين الحماية لنفسه، يعكس ضعفه وليس قوته، ذلك ان الرئيس الافغاني يعرف ان جيشه الذي بات يزيد عن 60 الف جندي قد ينقلب ضده في لحظات او ينقسم ويقتتل في افضل الاحوال، اذا ما اظهر حلفاؤه الاميركيون علامات ضعف وفكروا في الرحيل او قرروا رفع الغطاء عنه.
ولهذا يبدو الوضع في أفغانستان بحاجة الى وسيط محايد فعلا، يمكنه مخاطبة مختلف الاطراف وان لم يتمتع بثقتها الكاملة، للتحرك في اللحظة المناسبة ووضع خطة حل على مراحل، على غرار ما يحصل في العراق حاليا. وربما كانت «منظمة المؤتمر الاسلامي» التي تمثل 53 دولة قادرة على القيام بهذا الدور، وأن يكون أمينها العام التركي احسان اوغلو يتمتع بالميزات التفاوضية نفسها التي منحت بلاده القدرة على التقريب بين سورية واسرائيل.




















