مرة جديدة، تحاول الثقافة العربية النقدية على يد رموزها أن تُعمل كلمتها الحرة وفكرها النيّر علّها تحرك مستنقع المجتمعات العربية الرازحة تحت استبدادات سياسية ودينية وفكرية مختلفة، لتنتج لنا تلك الاستبدادات بدورها عالم الانحطاط العربي الممتد على طول البلاد العربية وصحرائها الخالية إلا من القحط والبور والجفاف الثقافي والسياسي.
فبعد الحملة التي قادها في العام الماضي من ينصّبون أنفسهم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر من حكام سياسيين ومشايخ ورجال دين ضد مدير مجلة
"Tel Qel" الصادرة بالفرنسية ورديفتها مجلة "نيشان" المغربية الصادرة باللغة العربية، الأستاذ أحمد رضا بن شمسي، لنشره ملفاً واقعياً جداً حول موضوع شائك وإثارته قضية هي من صلب الحياة اليومية في المغرب العربي والمجتمعات العربية والإسلامية بأسرها، بعنوان "البكارة… ما زالت من المحرمات في المغرب؟"، والتهمة هي: الإساءة إلى مشاعر المسلمين والإخلال بالاحترام الواجب للملك (باعتبار ان تهمة وهن نفسية الأمة هي من اختصاص محاكم التفتيش في المشرق العربي وليس مغربه)، بعد هذه الحملة يستمر هذا المغرب العربي مسرحاً لعروض تبين مدى التراجع والانحطاط الذي وصلت اليه الثقافة الرسمية، وهذه المرة كانت المكتبة الوطنية في الجزائر ساحة العرض، حيث شهدت مسرحية هزلية حاول القائمون عليها استعمال بعض العبارات المنمقة وإضفاء صفة قانونية وثقافية عبر ردود فعلهم على ندوة الشاعر والمفكر الكبير أدونيس، الذي ألقى محاضرته في المكتبة الوطنية، فأثارت عواصف إعلامية في الصحافة المكتوبة ومواقع الانترنت والفضائيات لم تتوقف حتى لحظة كتابتي لهذا المقال.
عندما اطلعت عبر الانترنت على فحوى كلام أدونيس في تلك الندوة، حاولت ان اخرج بشيء يمكن ان يجعلني افهم سبباً وجيهاً للحملة التي تعرض لها إعلامياً من قبل رجال الدين والسياسة في الجزائر. تساءلت: هل شتم احداً من المسؤولين أو ادعى بما لم يكن او أساء او لفق معلومات هي محض افتراء؟ لم أجد فيها إلا ما يمكن ان يكون عنواناً وخطوطاً عامة لأي فكر نقدي عربي يحاول ان يؤسس لثقافة تتجاوز المقدسات والثوابت المتراكمة عبر قرون من الاستبداد، ذلك الاستبداد المقيت الذي اعتمد على الكثير من التنظيرات والمنظرين وثوابتهم وفتاواهم وخطوطهم الحمر لتثبيت سلطته وهيمنته على الشعوب العربية.
من ضمن ما قاله ادونيس في الندوة: "إن العودة إلى الإسلام تعني انقراضنا الحضاري… وهناك الكثير من المشكلات في المجتمعات الإسلامية ذات علاقة بإخضاع الوعي للتأويلات السياسية والمذهبية بدوافع قبلية ومذهبية وإيديولوجية وسياسية بدافع البحث عن السلطة" وأضاف، ان "أزمة الفكر الإسلامي هي أزمة تاريخية، وقديمة وليست جديدة".
او ما قاله عبر مقارنته بين المجتمعات الغربية والمجتمعات العربية والإسلامية: بقوله "ان المجتمعات الغربية قد حققت الحداثة والديموقراطية بعد فصل الكنيسة عن الدولة، أما المجتمعات العربية الإسلامية فقد فشلت في تحقيق ما أنجزته الدول الغربية بسبب تحويل الوحي إلى مؤسسة سلطوية تخضع لثقافة الإلغاء، والإخضاع للفرد، وتهميش الرأي النقدي المخالف للسلطة او معاقبة صاحبه".
قامت الدنيا ولم تقعد… وزيرة الثقافة الجزائرية خليدة تومي رفعت بتاريخ 20/10/2008 تقريراً بمدير المكتبة الوطنية الدكتور أمين الزاوي إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تتبرأ عبره مما سمته "الانزلاق الفكري الذي حدث أثناء محاضرة الشاعر السوري أدونيس".
الدكتور أمين الزاوي، مدير المكتبة الوطنية في الجزائر أقيل من منصبه، بينما يستعد احد النواب في البرلمان الجزائري لمساءلة الوزيرة خليدة تومي عن خلفيات دعوة ادونيس ليحاضر عن الإسلام في بلد إسلامي، وهو "الشاعر الملحد" بحسب تعبير هذا النائب "المؤمن".
طبعاً، سينبري الكثير من الكتّاب والمثقفين والصحفيين والشعراء الجزائريين والعرب للدفاع عن الشاعر الكبير الذي امتهن عبر نصوصه تجاوز المألوف في الأفكار وقيود اللغة، وقد استنفر الأحرار في الجزائر للدفاع عن الثقافة النقدية على مستوى الشخص، أي الشاعر ادونيس، وعلى مستوى الفكرة العامة للحريات والموقف من مصادرتها وحجب الحقائق وخنق التفكير الحر ومعنى المقدسات الموضوعة من قبل أولي الأمر والأوصياء وبطاركة المجتمعات العربية.
أجمل ما قرأته واستوقفني من تصريحات بهذا الخصوص كان تصريحاً مكثفاً يمكن ان يخرج منه المرء بتوصيف شامل لهذه الحالة التي تعيشها المجتمعات العربية من تقييد للحريات وحجب للكلمة الحرة ومصادرتها، عنيت تصريح الشاعرة الجزائرية المعروفة نسيمة بو صلاح الذي قالت فيه: "ادونيس موجود وكائن منذ أراد الله له ان يوجد، وأفكاره وتوجهاته العلمانية نعرفها جيداً، وتصلنا وتدرّس لطلبة الليسانس في اللغة العربية وآدابها، والقليل يسلم الكثير، والقطرة تقود للنبع… وإن كان بالنسبة لزيارته للجزائر… فإن عصر تكميم الأفواه أعطانا عمره، يستطيع هذا المحترَم ان لا يزور الجزائر مطلقاً، وتصلنا كتاباته بسرعة الصوت وبالقوة نفسها، ولا اعتقد ان الأمر يتعلق بتدنيس بقعة مقدسة، الرجل ليس دنساً إلى هذا الحد الذي يجعلنا نتعامل معه بمضادات حيوية وقفازات، والبقعة ليست طاهرة إلى درجة لفها ووضعها في السيلوفان".
أدونيس اسم كبير في عالم الثقافة العربية، وهو كغيره من مفكري وأدباء الثقافة العربية الحاملة لمشروع تجديدي على مستوى الفكر والنص واللغة، ولا شك في ان هذه الموجة والعاصفة الشعواء التي أثارت كل هذا الغبار ستكون عابرة وستمر دون ان ينال الشاعر شيئاً كما نأمل، ولكن المشكلة في هذا النمط من التفكير والتعامل مع كل من يحترم نفسه وفكره وقلمه ويشق طريقاً يغرد فيه خارج السرب وخارج الحالة القطيعية المهيمنة على الذهنية العربية وانتماءاتها البدائية إلى الدين او العائلة او الطائفة في ظل غياب فكرة المواطنة والمدنية، وهذا ما أكده ادونيس نفسه، في النص الرائع الذي كتبه كتحية إلى صديقه الصحافي السوري الأستاذ محمد علي الأتاسي، يقول ادونيس في هذا النص الذي حمل عنوان (دمشق الجراح):
"نتفقَّه، ونحسب أننا نفكِّر. تحت سقف أبوَّة نقلية، في سلسلة نَسَب يَرْتبط فيها اللاحق بالسابق ارتباطَ خضوع وتبعية واقتداء… لا يُهيمن على المدن العربية غير الذين يقودونها كما تُقَاد النعاج، ينذرون حياتهم وأعمالهم وأفكارهم لشيءٍ واحد: صناعة الطغيان… يحوِّلون مدنَهم إلى ممالك للقسر، والإكراه، والعنف، ممالك – مقابر…".
على انه يؤكد في النص نفسه فكرة الجرأة في الكتابة والطرح الفكري والذي كان سبباً في تعرضه لاحقاً لهذا الهجوم الإعلامي والسياسي العنيف كالكثيرين من المفكرين والكتّاب والشعراء العرب الذين قالوا "لا للمقدّس"، وكيف تكون الكلمة جريمة في عالم الظلام العربي الذي لا كلمة فيه إلا وفق ما يريده المستبد السياسي او الديني وحاشيته من السياسيين والكتّاب المرتزقة ورجال الدين الذين شكلوا غطاءً لاهوتياً جبرياً استمده الحاكم من الغيب، يقول ادونيس في سياق النص/ الرسالة إلى محمد علي الأتاسي:
"… هكذا، علينا أن نمارس الكتابة بوصفها فعلاً جُرْمِياً: نَقْضاً، وهَدماً. الكتابة التي تزلزل أُسُسَ الطغيان في مختلف أشكاله وتجلِّياته، سواءٌ في القيم، أو التقاليد، أو الأعراف، أو العادات، أو المعتقدات – الحجب التي تلتصق على أجساد المدن العربية كمثل طبقات كثيفة من القشور، الكتابة التي تقتلعُ هذه القشور، لكي يظهر النسغ الحي، الكتابة التي يبدو فيها العالمُ كأنه في حالة دائمة من التكوُّن والتجدد – بلا نهاية… إنها مسألة وجود ومسألة صيرورة… وهي لذلك تفجيرُ وعي إضافةً إلى كونها تفجير لغة، تجاوزٌ دائمٌ لحدود الممكن، وهي وحدها التي تحوِّل الجسدَ – القبرَ إلى جسدٍ – بركان".
هل هناك حاجة لإضافة المزيد، أعتقد أن كل هذا الكلام قد أحاط بموضوع أدونيس في قضيته الأخيرة، ولكن يبقى ان نضيف ومن باب الأمانة الصحافية في النقل، وإن كان تصريح الشيخ عبد الرحمن شيبان سيضاعف من إثارة الموضوع وجنون وهستيريا تكفير الآخر في المجتمعات العربية، وهو الوزير السابق للشؤون الدينية في الجزائر، هذا الشيخ اعتبر تصريحات أدونيس "أراجيف وقحة من شاعر ملحد وإباحي يدعى بغير اسم ولقب ويكتب شعراً بلا روح ونغم، وفي كلامه تطاول على الإسلام وعلماء المسلمين في ارض الجهاد والاجتهاد…".
سنسخر جميعاً مع الشاعر أدونيس من كل مكفريه ومخونيه ومن ثقافة التخوين الباسطة ذراعيها وامتداداتها على كامل الرقعة العربية بمشرقها ومغربها، ونقول معه:
أجمل ما تكون ان تخلخِل المدى/ والآخرون: البعض يحسبك النداء والبعض يحسبك الصدى،
أو أن نستشهد بقول آخر له في إحدى قصائده النثرية الجميلة:
زمنٌ أعمى وتاريخٌ معمّى، بلدٌ طميٌ وشعبٌ ركام/ والذي يملِك مملوكٌ، فسبحانك يا هذا الظلام،
وإذا كان كلام ادونيس وأمثاله قد خلخل المدى ولو نظرياً فقط، فإن الصدى سيبقى وإلى اجل غير معلوم ذلك المبضع المغروس في جسد الثقافة العربية النقدية والتجديدية، والتي قدمت أكبر مفكريها وصحافييها ومثقفيها سجناء او شهداء على مذبح الحرية والخلاص من الطغيان وملحقاته القميئة، والاستبداد بكل أشكاله الدينية والسياسية والفكرية السلفية.
"النهار"




















