قبل أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات المبكرة للكنيست الإسرائيلية تشهد الخريطة الحزبية في اسرائيل تبدلات عميقة وسط أحزاب اليمين واليسار على حد سواء، لا سيما أنها المرة الأولى التي تخوض فيها هذه الأحزاب الانتخابات بعد سقوط مقولة "أرض اسرائيل الكبرى" التي لطالما حمل شعارها اليمين في إسرائيل الى أن قام أرييل شارون بدفنها مرة واحدة والى الأبد صيف 2005 بعد انسحابه من قطاع غزة وتفكيكه المستوطنات اليهودية هناك، ليتحول الصراع اليوم حول مستقبل القدس وحول جوهر المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين ومع سوريا.
على جبهة اليمين الإسرائيلي يشهد حزب الليكود وثبة حقيقية في شعبيته نتيجة أمرين أساسيين: استغلال نتنياهو فشل حكومة "كاديما" لجذب قدامى الليكود اليه من جديد؛ و تسابق عدد من الشخصيات على الترشح على لائحة الليكود لإعتقادهم بأرجحية فوزه. في هذا الوقت يحاول نتنياهو أن يعيد للحزب ألقه بصفته الممثل الحقيقي لمصالح الشعب اليهودي والمدافع عن المصالح الأمنية لإسرائيل في وجه خطرين أساسيين: الخطر الإيراني، وخطر الإسلام الراديكالي الذي تمثله "حماس".
ومنذ اليوم يتبنى نتنياهو برنامجاً انتخابياً متشدداً. فهو مثلاً لا يؤمن بحل الدولتين لشعبين لأن ذلك معناه القبول بتقسيم القدس الذي يعتبره اليمين في اسرائيل خطاً احمر ويخوض بشأنه حملة شرسة ضد "كاديما" واليسار في اسرائيل، وهو لا يثق كثيراً بسلطة محمود عباس ولا بالحل السلمي ويقترح عوضاً عن ذلك ما يسمية السلم الاقتصادي، أي بالنظرية القائلة إن السبيل الى محاربة الارهاب الفلسطيني يكمن في رفع مستوى الحياة الاقتصادية للفلسطينيين بحيث يصبح لهم ما يمكن أن يخسروه. وهذه فكرة غايتها التشكيك بسياسة الحصار التي يمارسها الحكم الحالي في اسرائيل من دون طرح بدائل حقيقية وفعلية. وعلى ما يبدو عرض نتنياهو فكرته للسلم الاقتصادي أمام باراك اوباما أثناء الزيارة التي قام بها لإسرائيل واستطاع أن يثير اهتمامه.
على جبهة معسكر اليمين القومي الديني برز تحالف جديد يضم ممثلي حزب "المفدال" و"ايحود ليؤمي" و "تكوما" و"موليدت". وجميعها أحزاب تدعم بقاء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وترفض بصورة قاطعة اي تغيير في مدينة القدس. وعلى الرغم من أن نشوء التكتل الجديد ليس معناه زيادة في عدد الأصوات ولكنه يعطي الانطباع بأن اليمين الديني القومي يريد خوض الانتخابات في جبهة موحدة وقوية.
في المقابل تبدو الصورة مختلفة تماماً في معسكر أحزاب اليسار الاسرائيلي. فحزب العمل يواجه أخطر أزمة في تاريخه دفعت الكاتب عاموس عوز الى القول إن حزب العمل أنهى دوره التاريخي. في هذه الأثناء شهد هذا الحزب مغادرة عدد من شخصياته البارزة التي باتت تعتبر أن مكانها لم يعد في حزب خسر هويته وانما في حزب آخر أكثر يسارية ووضوحاً في خطه السياسي. وفي الواقع خسر حزب العمل منذ دخوله في الإئتلاف الحكومي الحالي الكثير مما كان يميزه كحزب يساري، ولم يعد هناك فوارق كبيرة بينه وبين حزب الوسط "كاديما" لا سيما في موضوع المستوطنات والمفاوضات مع السلطة الفلسطينية ومع سوريا، كما لو أنه ليس هو من توصل الى اتفاق أوسلو ولم يكن مصدر وديعة رابين.
ان خروج عدد من الشخصيات اليسارية من حزب العمل واعلان عدد آخر من المثقفين الاسرائيليين تشكيل حركة يسارية جديدة مع حركة ميريتس قد يشكل ضربة موجعة لحزب العمل بصورة أساسية، ولكنه لن يضر كثيراً بحزب "كاديما" الذي تحاول زعيمته تبني مواقف وسطية معتدلة لا تزعج اليسار ولا اليمين.
في ظل هذا الاصطفاف الحزبي الجديد سيكون على الناخب الاسرائيلي أن يقرر بين ثلاثة خيارات: اما انتخاب اليمين ومعنى ذلك تأجيل التسوية السياسية لمدة زمنية غير محددة، او اختيار حزب الوسط "كاديما" ومعنى ذلك ادارة الصراع والبحث في تسويات مرحلية، او انتخاب اليسار والمضي قدماً في العملية التفاوضية وصولاً الى الحل النهائي.
"النهار"




















