نُشر في الآونة الأخيرة أن رجال الهيئة التي تعالج الرقابة على مجال الذرة من قبل الامم المتحدة عثروا في شمالي سوريا، في المنطقة التي ادعى الامريكيون بانه كان فيها مفاعل نووي، على بقايا يورانيوم. هذا المعطى لا ينبغي أن يفاجئ من اعتقد دوما بان اسرائيل لن تقصف في سوريا منشأة عديمة القيمة او أنها ستفعل ذلك من دون أساس استخباري متين. يجدر بعدد غير قليل من المشككين والكتاب المتهكمين، في البلاد وفي الخارج، ممن سخروا من المعلومات التي تسربت في الولايات المتحدة ومالت لاتهام اسرائيل بدق طبول الحرب ـ ان يعتذروا. فالعثور على بقايا يورانيوم في المنطقة يشير الى أن المكان مرتبط بالذرة، وواضح بما لا يرتقي اليه الشك ان سوريا الاسد كانت تقف امام خطوة خطيرة لاكتساب القدرة النووية. هذه المحاولة السورية تلزم اسرائيل بان تفحص بكثير من الريبة الطرح المعتدل للاسد واستعداده الظاهري للدخول في مفاوضات مع اسرائيل. فهل يمكن لاسرائيل أن تعتمد على حاكم يحاول خداع كل العالم ويطور قدرة نووية في تناقض صريح مع اتفاق دولي وقعت عليه بلاده؟ هل يمكن الثقة بسوريا ـ الدولة التي بعد ضرب المننشأة دمرتها من اساسها وحاولت ان تخفي مجرد وجودها فيما كذب زعماؤها والناطقون بلسانها علنا ودون تردد؟
يبدو أن مغزى الخطوة السورية لم يستوعب من قبل المفاوضين في الجانب الاسرائيلي. وهم يواصلون خطواتهم السابقة، حسب القواعد التي تقررت منذ زمن بعيد في عالم آخر، وهم اسرى روتين المفاوضات السابقة. التغيير الحقيقي لم يطرأ في هذا الموضوع فحسب، بل في السياق اللبناني أيضا حيث لا توجد منظومة علاقات مشابهة لما كانت عليه قبل عقد من الزمان. فمنذ المحادثات التي كانت في عهد رابين وباراك تحولت سوريا الى دولة ترتبط بحزب الله، المنظمة اللبنانية الايرانية المتطرفة، وتساعدها وتتأثر بها بينما في الايام الماضية كانت العلاقات معاكسة: في حينه كان الجيش السوري يسيطر في شوارع بيروت، ولم يسمح لحزب الله بالعمل كما يحلو له. أما اليوم فالمنظمة تفعل في دمشق ما تشاء، وبعد تصفية مغنية نُشر أن رجال حزب الله هم الذين حققوا في الحادث في ظل تجاهل السيادة السورية في العاصمة.
صحيح أن اسرائيل ارتكبت الخطأ بانقاذها الاسد من العزلة واخراجه من نطاق "المنبوذ دولياً" في ضوء دوره في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الحريري. ولكن ممنوع عليها أن تضاعف هذا الخطأ الآن. يبدو أن الطريق الى مفاوضات جدية يجب ان تمر في اختبار النوايا الحقيقية للاسد. الابتعاد عن ايران هو الاختبار المناسب في مثل هذا الوقت. المخاطرة التي يأخذها السوريون من خلال مثل هذه الخطوة هي صغيرة جدا. ذلك انه اذا ما فشلت الاتصالات، فيمكنهم أن يعودوا الى الحضن الدافئ لايران. ولكن حتى الآن لا يوجد زعيم اسرائيلي ضالع في مفاوضات يتفوه بمثل هذا الثمن. اسرائيل، للأسف، لم تطرح هذا الشرط على السوريين وهم بالتأكيد لن يتطوعوا للتخلي عن حلفهم مع ايران، الحلف الذي حسب تصريحاتهم يعتزمون الحفاظ عليه حتى بعد الاتفاق مع اسرائيل.
("اسرائيل اليوم" ـ 16/11/2008)




















