لم يتأخر تنفيس الاحتقان الرسمي التركي من ضغط الشارع الانتخابي، غداة فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولاية جديدة، حتى اختلفت لهجة التصريحات التركية إزاء أزمة اللاجئين السوريين في تركيا، وبدت الحدة أقل مما كانت عليه، حيث أطل الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، ليعلن أنه في الوقت الحالي ليست هناك قمة مخططة على مستوى الرؤساء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، ولم يتم تحديد تاريخ محدد لها، كما أنه لا يوجد موعد لبدء عودة اللاجئين السوريين. وفي لقاء متلفز على شاشة (A Haber) التركية، أوضح قالن أن الجهات المعنية ورؤساء أجهزة المخابرات يعملون على تطوير القضايا المتعلقة وتقدمها حتى يتم النظر في إجراء اجتماع بين الرئيسين مماثل في وقت لاحق، ولكنه أكد أنه ليس هناك خطة لعقد اجتماع من هذا النوع في المستقبل القريب.
وتحدث قالن عن استعصاء ترحيل مليون سوري بالطرق الإجبارية، مؤكداً أهمية اتخاذ إجراءات قوية لمنع عودة مشكلة اللاجئين إلى تركيا، وأشار إلى أن التعامل مع الأزمة بشكل أحادي عن طريق إجبار مليون شخص على العودة إلى الحدود السورية وترحيلهم سيؤدي فقط إلى خلق مشكلة جديدة للاجئين وإحداث مأساة إنسانية. وحذر قالن من تداعيات تلك الخطوة: حيث قال “تركيا ستواجه تحديات جديدة تتمثل في وجود مليون شخص على حدودها، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتوليد موجة جديدة من الهجرة، وهذا سيشجع تجار البشر وتجار المخدرات والإرهابيين على التسلل إلى المنطقة، وبالتالي ستواجه تركيا مشاكل أمنية أكبر وأعظم”.
التعامل بجدية مع العودة
وأكد المتحدث باسم الرئاسة التركية على ضرورة التعامل بجدية مع هذه المشكلة والعمل على إيجاد حلول حكومية فعّالة تمنع تفاقم الأزمة وتحولها إلى أزمة أمنية جديدة تشكل تهديدًا على تركيا. وأبدى قالن رغبة حكومة بلاده في عودة اللاجئين السوريين، إلا أنه دعا إلى عدم نسيان أن اللاجئين هم بشر أيضاً، وأضاف: “تركيا وسوريا جارتان تاريخيتان عاشتا معًا على الأرض نفسها لمئات السنين”. وأكد على وجود ثلاث قضايا رئيسية تتعلق بعملية التقارب مع النظام السوري: “الأولى تتعلق بمكافحة الإرهاب وإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في المنطقة، والقضية الثانية تتعلق بضمان عودة اللاجئين إلى سوريا بطريقة آمنة وكريمة وعلى أساس طوعي، وتوفير بيئة مناسبة”. وشدد المسؤول التركي على أهمية مواصلة عمل اللجنة الدستورية والتقدم في العملية السياسية من خلال المفاوضات بين المعارضة والنظام السوريين.
كما تطرق حسب وسائل إعلامية سورية، إلى مسألة اللاجئين السوريين في البلاد، حيث أكد على ضرورة وجود تعاون دولي وتعزيز الجهود وإيجاد حل لتوفير الاستقرار والأمن في المنطقة، وأضاف: “استخدمت قضية اللاجئين كأداة سياسية في الحملة الانتخابية، ونتيجة للجهود التي بذلناها، تمكنّا من عودة ما يقرب من 600 ألف لاجئ سوري إلى وطنهم”. وفي سياق الحملة الانتخابية، أبدى قالن استياءه من استخدام تعابير ومواقف عنصرية للغاية، واصفاً هذه التعابير بأنها صعبة التصديق، وبأنها تمثل تصوراً خاطئاً ومسيئاً للعلاقات التاريخية والقرابة بين الشعبين التركي والسوري.
الكاتب والمحلل السياسي باسل معراوي، تحدث لـ “القدس العربي” عن تنفيس الاحتقان الرسمي التركي من ضغط الشارع الانتخابي بصبيحة فوز الرئيس التركي بولاية جديدة لمدة 5 سنوات مع تأمين أغلبية برلمانية مريحة، حيث أطل الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية ليعلن أن الرئيس لا يفكر بلقاء رئيس النظام السوري على المدى المنظور. واعتبر المتحدث أن القيادة التركية فقدت أهم عاملين دافعين للتطبيع مع نظام الأسد وهما انتهاء العملية الانتخابية ومزاودة أحزاب المعارضة على حزب العدالة والرئيس، فضلا عن ضعف التأثير الروسي على القيادة التركية أيضًا. وترجم الكاتب والمحلل السياسي حديث ابراهيم قالن عن أهمية اتخاذ اجراءات قوية لمنع عودة مشكلة اللاجئين، إلى “فرض وقف إطلاق نار بالقوة لتأمين الأمان للشمال السوري حتى يحقق أهم الشروط اللازمة لعودة لاجئين سوريين من تركيا، كما يحمل في طياته تهديداً بشن عملية عسكرية جديدة لكسب أراضٍ جديدة وإرجاع لاجئين إليها ومداها تفاهمات سوتشي حتى منطقة مورك إن لزم الأمر”. وحول التغير السريع على لهجة التعاطي الرسمي التركي على مشكلة اللجوء السوري بتركيا وعدم الرغبة بإعادتهم بشكل مخالف للقانون الدولي، وعدم خلق مأساة جديدة لهم بإرجاعهم إلى غير مدنهم وقراهم دون حتى تحقيق التحرر من سلة الاغاثة بتأمين عمل لهم، قال المتحدث “المقصود من ذلك نفي بعض التهم التي تلقى من هنا وهناك على رغبة تركية بتعريب الشريط الحدودي الجنوبي، بإحداث تغيير ديمغرافي يكون سببًا لانتقادات دولية لحكومة أنقرة، وعدم تصعيد الموقف مع الكرد عموما”.
ويمكن ملاحظة أنه منذ نحو 10 أشهر من بدء الحديث التركي عن إعادة تقييم العلاقة مع النظام السوري لم تحدث أي إنجازات حقيقية ذات قيمة، وعلى ضوء ذلك قال المحلل السياسي “لا يمكن بطبيعة الحال اعتبار اللقاءات الأمنية إنجازات لأنها بالأساس تستمر بين الأعداء، حتى مصافحة وزير الخارجية التركي لوزير خارجية النظام كانت باهتة ولم يحدث أي لقاء ثنائي، بل كان الهدف إرضاء الشارع الناخب التركي والرئيس الروسي، بينما المسار العربي للتطبيع مع الأسد بدا متأخراً جداً عن المسار التركي وسبقه بمسافات كبيرة. وعلى الأرض، “لم يفتح أي معبر بشكل رسمي بين الشمال السوري ومناطق سيطرة النظام”. كما توضح أيضا التأثير الايراني القوي على النظام، وضعف التأثير الروسي، لتفضيل ايران المسار العربي على المسار التركي. وبعد لقاء الرئيس التركي أردوغان مع المرشح المستقل سنان أوغان، اختلفت اللهجة ازاء أزمة اللاجئين السوريين في تركيا، وبدأت الحدّة أقل مما كانت عليه قبل الجولة الأولى ومن الطرفين.
حاجتان وراء الانفتاح
وأمام ما تقدم يقول المعارض السياسي درويش خليفة لـ “القدس العربي” إن الانفتاح التركي على نظام الأسد يعود لحاجتين في نفس أنقرة، إحداهما أزيلت مع نهاية الجولة الثانية وفوز الرئيس أردوغان بالرئاسة مجدداً. لكن الحاجة الثانية ما تزال قائمة وهي محاربة الإرهاب حسب التصنيف التركي والذي يدرج قوات سوريا الديمقراطية، على لوائحه. وحسب المعلومات المتوفرة لدى المتحدث، “سيتم فتح ملف قسد مع الإدارة الأمريكية وروسيا في الأشهر القليلة القادمة، لماذا روسيا، لأن تركيا تفكر بطرد قسد من المناطق القريبة من القامشلي وكما تعلمون الروس نقطة ارتكاز هناك في مطار القامشلي العسكري”. وأضاف: ربما انفتاح تركيا على الدول العربية الكبرى مثل السعودية ومصر سيكون له دور في توضيح وتبسيط هواجس أنقرة من الميليشيات القريبة من حدودها الجنوبية، والتعاون في الملف السوري على نطاق واسع. وعلى الصعيد السوري، أجد أن تصريحات السيد قالن، لاقت صدى إيجابياً بعد كم الضغط الذي مورس على اللاجئين خلال الأشهر الماضية.
“القدس العربي”


























