الضجيج الإعلامي الذي رافق إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه إيهود باراك عن بناء وحدات سكنية جديدة في المستوطنات الإسرائيلية قبيل الموافقة على طلب الإدارة الأميركية تجميد الإستيطان، كان موجهاً لخدمة أكثر من هدف واحد.
فلقد أراد نتنياهو من هذا الإعلان التوجه في الدرجة الأولى نحو الداخل الإسرائيلي، وبصورة خاصة الى جمهور المستوطنين الذين كانوا في أساس عودته الى الحكم، كي يطمئنهم بأن تجميد البناء في المستوطنات أمر موقت، وأنه حريص على مستقبل الإستيطان في الضفة الغربية أكثر منهم، ولكنه لا يريد أن يظهر بمظهر من يعرقل مشروع التسوية السلمية التي تتبناها الإدارة الأميركية، ولا أن يدخل في مواجهة لا طائل تحتها مع إدارة الرئيس أوباما. وضمناً يلمح نتنياهو لمعسكر اليمين في إسرائيل أنه عاجلاً أم آجلاً، ستواجَه هذه الإدارة بكل العقبات التي واجهتها الإدارت السابقة، فتنقضي مدة تجميد الإستيطان المحددة ما بين ستة اشهر إلى تسعة من دون حدوث تقدم وتعود الأمور إلى ما كانت عليه.
ولكن ليس هذا كل شيء، إذ تؤكد التقارير الصحافية الإسرائيلية الكثيرة التي تُنشر حول موضوع البناء والتجميد، على أمر أساسي هو أن الأذونات الأخيرة بالبناء لن توقف البناء في الكتل الإستيطانية الكبرى التي في نهاية الأمر ستضمها إسرائيل اليها طوال مدة التجميد. ومن ناحية أخرى فعلى الأرجح لن تقوم حكومة نتنياهو بأي خطوة عملية لحسم مصير المواقع الإستيطانية غير القانونية التي هي موضع خلاف شديد بين المستوطنين. فسكان هذه المواقع غير القانونية هم غالباً من "الزعران" ومن الخارجين على القانون الذين لا يأبهون لقرارات السلطة، يدعمهم في تمردهم جهات سياسية نافذة وهيئات دينية فاعلة. ومعنى ذلك أن البناء في هذه المواقع قد لا يتوقف هو أيضاً. وهكذا يبدو أن كل الضجة التي يثيرها معسكر اليمين وصقور حزب الليكود حول تجميد الإستيطان مجرد "عاصفة في فنجان"، تخدم نتنياهو أمام الإدارة الأميركية لأنها تظهره كمن يتعرض لضغوط كبيرة من الداخل.
إن المغزى الآخر لربط نتنياهو قرار تجميد الإستيطان بقرار زيادة وحدات سكنية جديدة على الكتل الإستيطانية الكبرى، هو نجاحه في إقناع الأميركيين بضرورة توسيع الإستيطان تلبية لـ"النمو الطبيعي". كما أن إدراج تصاريح البناء التي أعطيت أخيراً ضمن التفاهمات التي جرى التوصل إليها بين مبعوثي رئيس الحكومة الإسرائيلية والموفد الأميركي الخاص جورج ميتشل الذي سيصل إلى إسرائيل نهاية هذا الاسبوع للإتفاق النهائي على الموضوع، معناه تجاوز سوء التفاهم الأميركي – الإسرائيلي حول توسيع الإستيطان، وتحقيق تقارب في وجهات النظر بين إدارة أوباما والحكومة الإسرائيلية الحالية، الأمر الذي لا بد أن ينعكس إيجاباً على العلاقة بين البلدين لدى بحث عملية المفاوضات مع الفلسطينيين وكيفية دفع التسوية السياسية القائمة على حل الدولتين.
كما أن استثناء نتنياهو مدينة القدس من قرار التجميد له دلالاته الكثيرة. فهو بالدرجة الأولى محاولة واضحة من جانب الحكومة الحالية لعرقلة أي مطالبة فلسطينية بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة، لا سيما إذا علمنا أن البناء لن يتوقف في الحي اليهودي الجديد الذي تعتزم الحكومة إقامته، والذي لدى الإنتهاء من العمل فيه سيفصل الأحياء العربية في القدس الشرقية عن الضفة الغربية. فحكومة نتنياهو تسارع مرة أخرى الى فرض "حقائق على الأرض" لا يمكن تجاهلها لدى مناقشة مصير القدس، والسلطة على الأحياء العربية في المدينة القديمة.
من هنا يمكن القول إن الضجيج المرافق لقرار تسريع الإستيطان قبل تجميد البناء في المستوطنات هو جزء من مناورة سياسية داخلية وخارجية تقوم بها الحكومة الإسرائيلية لتظهير شرعية المستوطنات وحماية حق المستوطنين في أي مفاوضات سياسية مستقبلية ستجري بينها وبين الفلسطينيين. في الوقت الذي تتآكل فيه المطالب الفلسطينية والعربية للتسوية من الحق بدولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي وليس دولة مقطعة الأوصال بالمستوطنات، إلى تنازل الدول العربية عن ربط التطبيع بإيجاد حل نهائي للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي.







