المستقبل –
اختار اليابانيون بكل روح ديمقراطية التغيير في بلادهم، وتجسد ذلك في اكتساح المعارضة اليابانية بزعامة يوكيو هاتوياما الانتخابات النيابية التي جرت يوم 30 آب الماضي، عبر الفوز التاريخي الساحق الذي حققه الحزب الديمقراطي، الذي نال 308 مقاعد (البرلمان يضمّ 480 مقعداً)، والإطاحة بالحزب الديمقراطي الليبرالي الذي كان يمسك بـ303 مقاعد في البرلمان المنتهية ولايته مقابل 112 مقعداً للحزب الديمقراطي، وبالتالي الإطاحة معه بالنظام السياسي الذي حكم اليابان بعد نصف قرن من احتكار السلطة من قبل محافظي الحزب الليبرالي الديمقراطي.
الانتخاب- العقاب، الذي ألحق الهزيمة بالحزب الديمقر اطي الليبرالي الذي حكم البلاد منذ العام 1955، ماعدا فترة انقطاع قصيرة لم تتجاوز 11 شهراً مطلع التسعينيات من القرن الماضي، أنهى الشراكة الثلاثية القائمة بين الحزب وكبار رجال الأعمال والبيروقراطيين التي حولت اليابان إلى قوة اقتصادية كبرى بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن تبدأ في التراجع عقب انفجار "الفقاعة التضاربية" عام 1990، ودخول اليابان في أسوأ ركود اقتصادي، نجم عنه عدم استقرار في المجتمع الياباني، وتراجع في الأجور للعمال والموظفين، وتراجع في عملية التوظيف الكامل وفي مستوى المعيشة، وتعمق هوة التفاوتات الاجتماعية إضافة إلى تسارع الشيخوخة في السكان الذي يستنزف موازنات الضمان الصحي.
لقد كانت الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها اليابان بإسقاطاتها الاجتماعية المدمرة على حياة الناس، عاملا مهما وظفه الحزب الديمقراطي لاستثمار هذا التململ الاجتماعي، وطرح برنامجه الاقتصادي الاجتماعي الذي يعكس رغبة حقيقية في تجسيد القطيعة مع السياسة التي قادها الحزب الديمقراطي الليبرالي، لا سيما في مرحلة حكم رئيس الوزراء السابق جونيشيرو كويزومي (2001-2006)، الذي قام بالإصلاحات الليبرالية، التي أخذت الاقتصاد الياباني إلى حافة الانهيار مع أكثر من ستة تريليونات (64,1 مليار دولار) من الدين العام، وتبذير أموال وإفساد شبكة التضامن الاجتماعي وتوسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء، والارتفاع بمعدل البطالة في اليابان إلى نحو 5،7 في المئة، وازدياد التضخم وخفض العائلات نفقاتها لخوفها من المستقبل.
ويقوم البرنامج الاقتصادي الاجتماعي للحزب الديمقراطي الذي يمثل يسار الوسط – ونشأ عام 1998 من خلال الاندماج مع الحزب الاجتماعي الديمقراطي، ثم مع الحزب الليبرالي عام 2003، ومع الاشتراكيين الديمقراطيين وشخصيات سياسية كانت تنتمي إلى حركة المواطنين – على إعطاء الألوية للحماية الاجتماعية (من خلال تركيز الانفاق على المستهلكين ومنحهم مساعدة شهرية بقيمة 26000 ين ياباني (193 يورو) للعائلات ولكل طفل حتى بلوغه السنة النهائية من التعليم الإعدادي، وتوفير تعليم مجاني جزئياً، وتقديم مساعدة عند الإنجاب، وإلغاء رسوم الطرق السريعة وتقديم الدعم للمزارعين، وتقليص سيطرة البيروقراطيين)، وعلى السير قدما في طريق "الرأسمالية الديمقراطية" التي تطبقها الدول الاسكندينافية معقل الأرثوذكسية الكينزية.
لاشك أن هذا البرنامج الطموح والجذاب للحزب الديمقراطي يطرح مسألة التمويل، ولاسيما أن التكلفة للإجراءات المعلنة تبلغ قيمة 124،7 مليار يورو سنويا وحتى آفاق سنة 2013. ويأمل الحزب الحصول على مبلغ بنحو 67،5 مليار يورو من خلال محاربة التبذير في الموازنات والأموال العامة المخصصة للمشاريع التي أقرها الحزب الديمقراطي الليبرالي، أو من خلال عشرات المنظمات والوكالات الحكومية التي أصبحت فائدتها مثار جدل واسع في اليابان. أما بقية الأموال، فإنه يأمل الحصول عليها من خلال الاحتياطات الحكومية والإصلاح الضريبي، وتخفيض أجور كبار الموظفين.
الحزب الديمقراطي، حزب ناشئ لايمتلك تجربة في ممارسة السلطة، ووصل إلى الحكم في اليابان التي بالكاد بدأت تخرج من أسوأ كساد عرفته في مرحلة ما بعد الحرب، وهناك من يشك في قدرته على القيام بهذه الإصلاحات على جميع الجبهات من دون زيادة الضرائب.
لم تكن السياسة الخارجية رهانا في الانتخابات التشريعية الأخيرة، لكن التغيير منتظر، ولاسيما مع الجارة الصين، القوة الاقتصادية والمالية الاستراتيجية الصاعدة. فالحزب الديمقراطي ليست له سياسة خارجية أو موقف مختلف عن الحزب الليبرالي الديمقراطي، إذ تعهد هاتوياما بالسعي إلى علاقة أكثر استقلالا عن واشنطن، مع إقامة صلات أشد وثوقا مع الدول الآسيوية الجارة لليابان. كما أكد أنه لن يسعى إلى تغييرات جذرية في السياسة الخارجية لليابان، وأن التحالف الأميركي – الياباني سيبقى حجر الزاوية للديبلوماسية اليابانية، وللنظام الأمني لليابان، منذ أن استعادت سيادتها عام 1951. فلا التوسع الاقتصادي، ولا نهاية الحرب الباردة، استطاعا أن يمسا هذا التحالف.
ويترافق البديل الأول للسلطة مع اليابان مع تغير في المناخ الدولي، ولاسيما في ظل انتقال مركز جاذبية الاقتصاد العالمي نحو آسيا، بينما اليابان هي بصدد الآن خسارة مرتبتها الثانية كقوة اقتصادية لمصلحة الصين. إنه تجاوز رمزي، لكنه معبر في ظل احتدام التنافس بين القوى الإقليمية العظمى: الصين والهند واليابان، على السيطرة في آسيا.







