فيما كانت روسيا وإيران حليفتا النظام السوري تقفان بقوة خلف رجب طيب اردوغان في معركته الرئاسية وتعتبران فوزه انتصاراً لهما، كان الرئيس السوري بشار الأسد يتحدث في مؤتمر جدة عن «خطر الفكر العثماني التوسعيّ، المُطعَّم بنكهة إخوانية مُنحرفة». وسبق أن تصلَّبَ حيال طلب الرئيسين فلاديمير بوتين وإبراهيم رئيسي بعقد قمة رئاسية مع «المرشَّح» اردوغان قبل الاستحقاق الرئاسي، كي لا يُسهم في إعطائه ورقة تُعزِّز وضعه الانتخابي من بوابة الملف السوري كأحد العوامل الرئيسية المؤثرة في الانتخابات والتي كانت تستخدمها المعارضة كأداة من أدوات الضغط.
في واقع الأمر، فإن الأسد من خلال «عنجهيته المُفرِطة» كانت تعتريه أحلامٌ وتحيطُ به رهانات حول إمكان فوز المعارضة التركية التي «فتح الخطوط عليها» وقدَّمتْ له الوعود بتبدّل جذريّ في السياسة التركية حيال نظامه وفتح صفحة جديدة معه، إذا فازت، وبأنها ستعمل على الانسحاب الكليّ من الأراضي السورية، وعلى التعاون مع الدولة السورية لإعادة اللاجئين السوريين الذين أضحوا يشكلون ضغطاً على المجتمع التركي. رحَّل الأسد وضع الملف السوري – التركي على الطاولة الرئيسية إلى ما بعد الانتخابات علَّ نظيره على الجهة الأخرى يكون كمال قليجدار أوغلو وليس رجب طيب اردوغان.
مع خسارة الرئيس السوري رهانه على فوز المعارضة التركية، سيعود مسار التطبيع السوري – التركي إلى ما كان عليه قبل 14 أيار/مايو ضمن الحاضِنَـتَين الروسية أولاً والإيرانية ثانياً. ثمّة إقرار في أوساط دمشق بأن موقع الأسد كان أقوى حين كان «اردوغان المرشَّح» بحاجة إلى تجميع أوراق قوة في مواجهة المرشح الخصم، لكن تلك الأوساط تميل إلى الاعتقاد بأن اردوغان الفائز سيبقى يُفكِّر بعقل مُنفتِح، ويسلك مساراً إيجابياً في الملف السوري، بحيث يلاقي روسيا وإيران في منتصف الطريق، الحليفان اللذان لعبا ورقته الانتخابية حتى النفَسِ الأخير. وستحدِّد قوّة الدفع الروسية – الإيرانية سرعة رياح التطبيع السوري – التركي ومستواه، وما إذا كان اللقاء الموعود بين الرجلين سيبقى على الطاولة، وهل ما زالت قواعد الارتكاز السابقة صالحة للمرحلة المقبلة؟
كان الأسد يُطالب بـ«تطبيع على مستوى القمة» بإعلان اردوغان انسحاب الجيش التركي من الأراضي السورية. قبل أيام، كان الكلام التركي يتمحور حول أنه في حال تمَّ التطبيع مع النظام، فإن ذلك سيؤدي إلى هجرة ملايين السوريين من غرب الفرات إلى أوروبا. كلام قرأه محللون على أنه نسفٌ للأُسس التي يطلبها النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيين بانسحاب تركي ودخول النظام وإعادة اللاجئين.
عودة اللاجئين السوريين
لا شك أن الملفات كثيرة ومعقدة. وأحد العناوين التي تريدها تركيا من التطبيع مع نظام الأسد هو عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ممّا يُخفِّف الضغط على الداخل التركي في ظل ارتفاع معدلات التضخم والانهيار المتواصل لليرة التركية وتصاعد الأزمة الاقتصادية، لكن تلك العودة لها شروط لتأمين نجاحها، ولا سيما توفير مناخات آمنة وإجراء ترتيبات لاحتواء ودمج الفصائل العسكرية وتحقيق المصالحات قبل الحديث عن خروج تركيا من مناطق نفوذها على معظم الشريط الحدودي غرب الفرات، بغض النظر عما إذا كان الحل يتماهى مع مخرجات «أستانا» أو وليد اتفاقات اللجنة الرباعية (روسيا، وإيران، وتركيا، وسوريا) التي أضحت هي الإطار الراهن لإخراج التسويات المقبلة.
لا يتعلق الأمر فقط بمناطق النفوذ التركي، سواء الواقعة تحت سيطرة الجيش الوطني، أو إدلب الواقعة تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام» بل إن عين تركيا هي على المناطق التي تُسيطر عليها الفصائل الكردية والقوات الأمريكية في الشمال السوري شرق الفرات وقطاع واسع من الشرق والصحراء السورية. وإذا كان اردوغان يهدف من إعادة العلاقات مع دمشق إلى إيجاد الآليات المشتركة مع النظام لحل معضلة الملف الكردي كحاجة أساسية لحماية الأمن القومي التركي والمخاطر التي يمكن أن تنشأ عن قيام كيان كرديّ على الضفة السورية يحاكي طموحات قيام كيان مواز على الضفة التركية، فإن تعقيدات هذا الملف أكبر من قدرة دمشق وموسكو وطهران على حلّها ما دام قرار الحلّ والربط يقع في اليد الأمريكية. فكلّ الحديث عن أنّ محادثات النظام – التي يتولاها اللواء علي المملوك مع الأكراد – قطعت شوطاً كبيراً، يبقى حبراً على ورق مع الوجود الأمريكي في سوريا.
يعوِّل القريبون من دمشق على خطوات حسن نيّة من قبل أنقرة يمكنها أن تُشكِّل انطلاقة قوية لمسار التطبيع. إحدى الخطوات تتعلق بفتح الطرق الدولية ولا سيما طريق حلب – اللاذقية-((M4 التي كانت جزءاً من مخرجات «أستانا» لكنها خطوة تحتاج إلى انسحابات لـ«هيئة تحرير الشام» من بعض النقاط لتأمين حماية لهذا الطريق الاستراتيجي للنظام، كما يُشكِّل فتح بعض المعابر الدولية أمام حركة الترانزيت عنواناً لإعادة بناء الثقة المفقودة. الاعتقاد السائد هو أن مسار التطبيع السوري – التركي سيبقى مفتوحاً، لكن سرعته ستبقى رهن الاندفاعة الروسية – الإيرانية، في وقت يرى مراقبون أن مفتاح أي حلّ تركيّ يبقى في كيفية مقاربة اردوغان أولاً وأخيراً لملف العلاقة مع أكراد بلاده، ذلك أن مشكلته مع الجماعات الكردية السورية، أو تلك القاطنة في جبال قنديل في العراق، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأزمة الفعلية لأكراد تركيا، ولن يكون طرح الشريط الحدودي بعمق 30 كيلومتراً داخل سوريا، والتلويح بعمليات عسكرية وبناء مناطق عازلة في ذلك الشريط يتمُّ فيها توطين السوريين الموجودين في تركيا، سوى خطوات جزئية قد يستفيد منها الرئيس التركي على طاولة المفاوضات الإقليمية في ما خص أمنه القومي وضمان مصالحه الداخلية والخارجية وفق أجندة الأولويات التي سيكون عليه ترتيبها في ضوء نتائج الانتخابات، والتي وإنْ أدَّت إلى فوزه، لكنها وضعته أمام تحديات جمّة مع معارضة داخلية حصدت 48 في المئة من الأصوات، ومع علاقات متوترة مع الغرب والحلفاء في «الناتو» في ملفات عدة وآخرها الحرب الروسية على أوكرانيا وتموضع أنقرة حيالها. أما العلاقة مع الأسد، فإنها ستبقى مشوبة بعدم الثقة حيث التاريخ طويل بين الرجلين.
“القدس العربي”

























