من الإيجابيات التي نجمت عن كشف سورية عن جانب من تحقيقات السلطات الأمنية فيها مع عناصر ينتمون الى «فتح الإسلام» اعترفوا فيها بأنهم وراء تفجير القزاز في ضاحية دمشق أواخر شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، واتهامها هذا التنظيم بالتفجير الإجرامي، ان المصلحة السورية في ملاحقة فلول هذا التنظيم، سواء على الأراضي السورية أو على الأراضي اللبنانية، تجيز للتنظيمات الفلسطينية الحليفة لدمشق في لبنان ان تساعد في هذه الملاحقة.
هذا الأمر جعل فصائل فلسطينية تلعب دوراً مهماً، إما بتسليم المطلوبين لانتمائهم الى هذا التنظيم، وإما للاشتباه بعلاقتهم به، في مخيمات فلسطينية في الشمال وغيره. فالمشكلة التي عانى منها الأمن اللبناني منذ بدأت معركته مع تنظيم «فتح الإسلام» عقب ارتكابه مجزرة ضد جنود الجيش في شهر أيار (مايو) من عام 2007، هي ان عناصر في هذا التنظيم استفادوا من التغطية التي يؤمنها لهم وجودهم في بعض هذه المخيمات، واستطراداً من امتناع بعض الفصائل عن المشاركة في ملاحقتهم. لقد حصل تطور جديد خلال الأسبوعين الماضيين، إذ كثر الكلام الإعلامي، وفي بعض البيانات الصادرة عن فصائل فلسطينية، عن دور الجبهة «الشعبية – القيادة العامة»، ومنظمة «الصاعقة» الحليفتين لدمشق، مع تنظيمات أخرى، في الكشف عن بعض فلول «فتح الإسلام» وتسليمهم الى الجيش. وكثر الحديث ايضاً عن دلالة ذلك لجهة إيجابية دمشق في مساعدة لبنان وسلطاته الأمنية على إنهاء خلايا هذا التنظيم الإرهابي. بل ان بعض الإعلام الحليف لسورية في لبنان اعتبر أنه لولا مساعدة سورية، عبر حلفائها، لكان تعذّر على الأجهزة اللبنانية إلقاء القبض على عناصر «فتح الإسلام» الذين قاموا بتفجيري دمشق وشارع المصارف في طرابلس.
والواقع ان الموقف السوري أدى الى رفع غطاء فئات فلسطينية محددة عن هؤلاء، كانت اتهمت أثناء معارك نهر البارد بأنها سمحت لـ «فتح الإسلام» باستخدام مخازن أسلحة تابعة لها في قتالها مع الجيش، أو أنها (هذه الفئات) قدمت تسهيلات لوجستية لعناصر هذا التنظيم من أجل الصمود في وجه الجيش، ثم من اجل هرب بعض هذه العناصر لاحقاً.
وسواء صح اتهام القوى السياسية المناوئة لسورية وسياستها في لبنان، بأن أجهزة الاستخبارات التابعة لها هي التي فبركت «فتح الإسلام» الذي عاد فأفلت من أيدي هذه الأجهزة بعد هزيمته أمام الجيش في نهر البارد، أم لم يصح، فإن دور الفصائل الفلسطينية الحليفة لدمشق في ملاحقة عناصر التنظيم يعني ان دمشق رفعت الغطاء الفلسطيني (الجزئي) عن هؤلاء، للتضييق عليهم، ما مكّن الأجهزة الأمنية اللبنانية من محاصرتهم.
يأخذ المناوئون لدمشق عليها انها لم ترفع الغطاء قبل الآن، وأثناء معركة نهر البارد تحديداً (قبل أكثر من سنة). بل ان إجازة دمشق للفصائل الحليفة لها ان تساعد أجهزة الأمن اللبنانية ضد «فتح الإسلام» تكشف مدى نفوذها في توحيد الموقف الفلسطيني في لبنان الى جانب سلطاته السياسية والأمنية، في وقت كان الانقسام الفلسطيني هائلاً من دون معالجة الكثير من الأمور بين الجانبين ومنها تنفيذ قرارات مؤتمر الحوار الوطني لجهة إزالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات.
إن تطورات الأسبوعين الأخيرين تدل على أن دور دمشق أساسي وحاسم في معالجة موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، إذا أرادت، بعدما تأكد مدى تأثيرها في الفصائل، الحليفة في ملاحقة «فتح الإسلام»، عندما أرادت. وعليه، فإن زيارات قادة فصائل حليفة لدمشق، بيروت وآخرهم رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل، والتي تهدف الى ربط السلاح الفلسطيني بالحقوق المدنية، على أهميتها، ليست هي العنصر الحاسم في إنهاء الوجود المسلح خارج المخيمات، بل ان ما تجيزه دمشق في هذا المجال هو العنصر الحاسم. ولعل هذا ما لا يريد الجانب السوري لفت الانتباه إليه في دور حلفائه في ملاحقة «فتح الإسلام». والسجال الذي دار حول اتهام «تيار المستقبل» بتمويل بعض «فتح الإسلام»، ربما كان من أهدافه حرف الانتباه عن القدرة الحاسمة لدمشق على «إقناع» فصائل فلسطينية بخطوات عملية محددة.
"الحياة"




















