نصير الأسعد
تُتيح الأيام الفاصلة بين إعتذار الرئيس سعد الحريري الخميس الماضي والإستشارات النيابية الملزمة للتكليف الثلاثاء المقبل، فرصةً لـ"التأمّل" بخارطة طريق المرحلة الجديدة.
منطق أن يكلّف الحريري مجدّداً
ثمّة أمران "محسومان" إنطلاقاً. الأول هو أن الرئيس المكلّف "الجديد" سيكون مَن تسمّيه الأكثرية النيابية. ومن "المستبعد" أن يكون الرئيس المكلّف شخصاً غير زعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري نفسه، بالضبط لأنه "عنوان" الأكثرية التي أنتجتها إنتخابات 7 حزيران الماضي، ولأنه عنوان "شرعية" هذه الأكثرية شعبياً ودستورياً. أما الأمر الثاني المحسوم أيضاً، فهو أن عملية التأليف ـ بعد التكليف ـ لا يُمكن أن تُستأنف من حيث إنتهت عملية التأليف السابقة.
الصيغة السابقة "لا تمشي"
لا يمكن تجديد البحث الحكومي من صيغة 15+10+5. ليس لرغبة "ذاتية" لدى أحد في تغيير المعادلة النيابية ـ السياسية أو لرغبة في "قلب صفحة" فكرة الحكومة الإئتلافية. بل ببساطة لأن هذه الصيغة "لم تمشِ". وما "لم يمشِ" فيها ليس "روحيّتها" إنما طابعُها "التحاصصيّ" إذا جاز التعبير الذي جعل فريق "المعارضة" يلعب على "إلتباس" الحقّ في تحديد أسماء وزرائه والحقائب التي يشغلونها، في نسف صريح وواضح للمبادئ الدستورية.
يُستفاد من دروس تجربة الشهور الثلاثة الماضية إذاً أن تكرار محاولة الإنطلاق من تلك الصيغة سيكون محكوماً بالفشل وسيعيد إنتاج الطريق المسدود.
صيغتان بديلتان
يجري التداول، في ضوء هذا الدرس الأبرز، في إقتراح إحدى صيغتين من أجل كسر الحلقة المفرغة التي دارت المسألة الحكومية ضمنها منذ 27 حزيران الماضي عندما كلّف سعد الحريري. هو "إقتراحٌ" لأن المتداولين فيه ليسوا ـ كلّهم على الأقل ـ في مركز "القرار الأكثري".
الصيغتان، واحدة سياسية وأخرى تكنوقراطيّة.
حكومة الأقطاب: حوار وقرار
أما الصيغة السياسية فالمقصود بها "حكومة أقطاب"، أي أن يترأس الحريري حكومة أقطاب سياسيين. ومن "فضائل" هذه الصيغة أنها "ميثاقية" حتماً، أي أن فيها روح الميثاق والإئتلاف. بيد أن من فضائلها أيضاً أنها حكومةٌ بـ"سقف عدديّ"، أي أنها محدودة عددياً، ومن شأن ذلك تالياً أن يجعل المعادلات الرقميّة غير ذات معنى.
على أن الأهمية الكبرى لمثل هذه الصيغة تكمن في مكان آخر.
إن إجتماع الأقطاب في حكومة واحدة من شأنه أن يحوّل مجلس الوزراء إلى مؤسسة حوار وقرار في آن. وفي الحالتين، الحوار والقرار، يكون مجلس الوزراء مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية. أي نقلُ "طاولة الحوار" إلى مجلس الوزراء.. إلى مؤسّسة دستوريّة، وإتخاذ القرار بشكل دستوري صحيح، فلا بدع دستورية على شاكلة "الثلث المعطّل" و"مشتقاته". وذلك فضلاً عن أن إجتماع الأقطاب يُفترض به أن يجسّد أعلى "مستوى" من الجدية وأعلى "نسبة" منها. مع التذكير بأن حكومات الأقطاب عندما تشكّلت في التاريخ اللبناني ـ قبل الطائف ـ كانت ذات طابع ومعنى إستثنائيين من جهة وكانت لـ"الوصل" بين المتخاصمين في ظروف أزمات من جهة ثانية.
حكومة التكنوقراط: إنتقالية "متقدّمة"
أما الصيغة التكنوقراطيّة فتقتضي شرحاً أكبر.
لـ"الوهلة الأولى"، قد يخلقُ الذهاب إلى حكومة تكنوقراطية "إنطباعاً" بالذهاب إلى نوع من "المرحلة الانتقالية" و"إنطباعاً" بأن ثمّة "نزولاً" ما "عن" الحكومة السياسية.
والحال أن هذين الإنطباعين ليسا صحيحَين "مئة بالمئة". قد يكون الصحيح أن ثمة "مرحلة إنتقالية" أخرى وسط إستمرار "الأزمة". لكن حكومة التكنوقراط ليست حكومة "درجة ثانية أو عاشرة". والحال أن "التكنوقراط" أكثر إنتاجاً من السياسيين. والحال أيضاً أن التجربة مع التكنوقراط في تاريخ لبنان، قبل الطائف خصوصاً، تثبت أن بعض هؤلاء قياديّون سياسيون بإمتياز، وتثبت أنه بـ"واسطتهم" يمكن ضخّ دم جديد في "الطبقة السياسية".
المهم أن إعتماد الصيغة التكنوقراطية يفكّ عملية تأليف الحكومة من أسر المعادلات الرقمية من ناحية ومن أسر التمثيل السياسي ـ الحزبي "المباشر" من ناحية أخرى. وإذ يعني إعتماد الصيغة التكنوقراطية إستبقاء "طاولة الحوار الوطني" إطاراً سياسياً قائماً في ذاته إلى حين، فهو يعني إعطاء الفرصة أمام العمل المالي ـ الإقتصادي ـ الإجتماعي للحكومة، أي عملياً تخفيف حدة التأزم السياسي. هذا مع العلم أن في وسع هذه الحكومة أن تكون مؤتمنة على القرارات السيادية للدولة لا سيما في المجال الأمني.
إستحالةُ البدء من الصفر
لا يجوز إذاً بعد إنتهاء الاستشارات النيابية الأربعاء المقبل تكريس إستحالة تشكيل حكومة. الإستحالة هي العودة إلى حيث إنتهت المحاولة السابقة. والنجاح هو تجاوز ما كان مطروحاً نحو ابتكار آخر. إبتكارٌ يقع في حالتَي الأقطاب والتكنوقراط ضمن "نطاق" الطائف ميثاقاً ودستوراً. ويقعُ ضمن مفهوم المبادرة اللبنانية الذاتية، أي ضمن مفهوم "لبننة" المسألة الحكومية. ويقعُ في إطار إعطاء الأمل إلى اللبنانيين بأن "الأزمة" لن تتمادى في "أكلهم" بالمعنى الحرفي للكلمة. ويقعُ أخيراً في إطار مفهوم "التسوية" التي تتيحُ المجال أمام إستقرار يمكّن من معالجة هادئة للعناوين والملفات.
لا بد إذاً من خطوة جريئة إلى الأمام. والمقدّمات الآنفة تتضمن ملامح كسر الحلقة المفرغة والمراوحة القاتلتين.




















