يمنى باتيل – (مندويس) 2023/6/15
اقترح عميت هاليفي، عضو حزب الليكود الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو، تقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين. ولم يعد من الممكن تجاهل مثل هذه الخطط والاستمرار في اعتبارها أوهامًا متطرفة؛ إنها تمثل بشكل متزايد التيار الرئيسي للسياسة الإسرائيلية.
في الأسبوع الماضي، اقترح عضو في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) على الملأ تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، مؤكدًا المخاوف التي طالما كانت لدى الفلسطينيين بشأن أهداف إسرائيل المستقبلية الرامية إلى السيطرة على الموقع المقدس.
كان الذي اقترح الخطة هو عميت هاليفي، عضو حزب الليكود الحاكم الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع صحيفة إسرائيلية. واقترح هاليفي تقسيم الموقع المقدس إلى قسم بنسبة 30 في المائة يُخصص للعبادة الإسلامية، وقسم يشكل 70 في المائة، بما فيه المنطقة التي توجد بها قبة الصخرة، للعبادة وتحت السيطرة اليهودية.
ووفق ما نقله موقع “ميدل إيست آي”، قال هاليفي، مستخدمًا المصطلح اليهودي “جبل الهيكل” للإشارة إلى المسجد الأقصى: “إذا كانوا يصلون هناك، فإن هذا لا يجعل جبل الهيكل بأكمله مكانًا مقدسًا للمسلمين. إنه لم يكن كذلك ولن يكون”.
على مدى عقود، دقّ الفلسطينيون ناقوس الخطر بشأن الجهود الإسرائيلية المتمثلة في ممارسة المزيد من السيطرة على حرم المسجد الأقصى، ثالث أقدس موقع في الإسلام، وأقدس موقع في الديانة اليهودية. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت مداهمات الشرطة الإسرائيلية للمجمع أكثر تواترًا وأكثر عنفًا. وتتكرر بشكل متزايد عمليات التوغل والعبادة اليهودية -المحظورة كجزء من ترتيب “الوضع الراهن”- في الموقع، بينما يجري تقييد وصول الفلسطينيين إليه تدريجيًا.
خلال عيد الفصح اليهودي لهذا العام، الذي تزامن مع شهر رمضان، عرضت جماعات المستوطنين مكافآت نقدية لأي يهودي يضحِّي بحيوان في الحرم أو يتم اعتقاله أثناء محاولته القيام بذلك، مما زاد من استفزاز الفلسطينيين الذين كانوا في يتعرضون في الوقت نفسه لهجوم شرس من القوات الإسرائيلية.
كل هذه التغييرات على الأرض، إلى جانب الجولات التحريضية الأخيرة التي قام بها وزراء يمينيون مثل إيتمار بن غفير، الذي قال علانية: “نحن المسؤولون هنا” أثناء وجوده داخل المجمع، تشير إلى مستقبل لا يبدو فيه اقتراح هاليفي بعيدًا كثيرًا عن نطاق التحقُّق.
بعد انتخاب حكومة يمينية متشددة في العام 2022، أصبحت أصوات القوميين المتدينين اليهود، مثل بن غفير، الذين يشغلون بعضًا من أعلى مناصب السلطة في الحكومة الجديدة، أكثر بروزًا. وهذا يعني أن الأصوات التي تدعو إلى السيطرة اليهودية على الموقع -بل وحتى تدمير المسجد- لم تعد تمثل مجرد متطرفين هامشيين، وإنما سياسيين رئيسيين يشغلون مناصب رئيسية في السلطة داخل الحكومة الجديدة. ويوفر هؤلاء الوزراء الكبار الدعم والشرعية للجماعات الصهيونية المتشددة، مثل مجموعة ”أمناء جبل الهيكل”، التي تسعى إلى الاستيلاء على المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث في مكانه.
بالإضافة إلى ذلك، تريد العديد من الشخصيات في المجتمع والسياسة الإسرائيليين استبدال الهوية الإسلامية والفلسطينية للموقع بهوية يهودية. وببطء، ولكن بثبات، من خلال تغيير الحقائق على الأرض ونشر خطط مثل خطة هاليفي في الوعي السائد، يبدو أن هذا الواقع يتشكل فعليًا.
الآن، لم يعد من الممكن تجاهل نوع التصريحات أدلى بها هاليفي واعتبارها مجرد أوهام وخيالات متطرفة. يجب أن تؤخذ هذه التصريحات بقيمتها الحقيقية وعلى محمل الجد: الأقصى تحت الهجوم.
كيف تبدو خطة التقسيم؟
بالإضافة إلى اقتراح تقسيم مجمع المسجد الأقصى -الذي يمتد في المجموع على مساحة 35 هكتارًا داخل أسوار البلدة القديمة في القدس- إلى مواقع عبادة إسلامية ويهودية، وضع هاليفي أيضًا خططًا للسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الموقع –على القسمين الإسلامي واليهودي معًا.
في مقابلته، دعا هاليفي أيضًا إلى توسيع وتسهيل وصول اليهود إلى الموقع، واقترح إلغاء الإدارة الأردنية للأقصى، وفقًا لما ذكره موقع “ميدل إيست آي”. وفي الأساس، يريد هاليفي تنفيذ ما يعتبره إصلاحًا شاملاً لـ”الوضع الراهن” للموقع –وهو اتفاق دولي وقَّعت عليه إسرائيل، يعترف بالوصاية الأردنية على الموقع المقدس، ويتعرض للتهديد والانتهاك بشكل متزايد من قبل إسرائيل في السنوات الأخيرة.
وفقًا للاتفاق، يخضع الموقع المقدس للسلطة الإدارية للأوقاف الإسلامية في القدس التي يسيطر عليها الأردن. كما يسمح الوضع الراهن أيضًا بزيارة غير المسلمين للموقع، وإنما لا يسمح لغير المسلمين بالعبادة فيه.
بينما ما يزال الأردن هو الوصي على الموقع، فإن إسرائيل تمارس السيطرة الكاملة على الوصول إليه، مع نشرها نقاط التفتيش عند جميع البوابات المفضية إلى المسجد، التي يشغَلها ضباط شرطة الحدود الإسرائيلية المسلحون الذين يحددون من يدخل أو يخرج. وتترجَم هذه السيطرة أيضًا إلى غارات إسرائيلية متكررة على الموقع وداخل المسجد، فضلاً عن التسهيل المتكرر لمداهمات المستوطنين ووزراء الحكومة الإسرائيلية للمجمع.
وهكذا، هناك في الأساس “الوضع الراهن” المنصوص عليه بموجب الاتفاقية، والوضع الراهن الفعلي الذي تفرضه إسرائيل على الأرض منذ عقود، في انتهاك لالتزاماتها في الاتفاق؛ الأمر الذي يطرح السؤال التالي: هل يشكل اقتراح هاليفي بإلغاء الوصاية تغييرًا جذريًا، أم أنه سيكون ببساطة إضفاءً للطابع الرسمي على سيطرة إسرائيل الفعلية الحالية على الموقع؟
بغض النظر عن الطريقة التي ينظر بها المرء إلى الأمر، فإن الفلسطينيين سيخسرون. سوف تعني السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المسجد فرض المزيد من القيود على وصول الفلسطينيين إلى الموقع المقدس الذي يشكل، بالإضافة إلى كونه مكانًا دينيًا مقدسًا، رمزًا سياسيًا للهوية الفلسطينية لمدينة القدس.
هذا هو السبب في أن تقسيم الأقصى والسيطرة عليه لن يهدد الهوية الدينية للموقع فحسب – وهو المكان المقدس لـ1.8 مليار مسلم في جميع أنحاء العالم – بل إنه سيهدد أيضًا الوجود الفلسطيني المتقلص مُسبقًا في القدس.
هل يمكن لإسرائيل
تقسيم الأقصى حقًا؟
كان الجزء الأكثر تفجرًا وكشفًا في مقابلة هاليفي هو اقتراحه تقسيم مجمع المسجد الأقصى، الذي يمتد في المجموع على مساحة 350 دونمًا داخل أسوار البلدة القديمة في القدس، بشكل غير متساو، مع تخصيص 70 في المائة للعبادة اليهودية.
في الحقيقة، على الرغم من كونه صادمًا، لم يكن اقتراح تقسيم الموقع المخصص للعبادة الإسلامية فقط وفقًا للاتفاقيات الدولية (التي وقعت عليها إسرائيل)، وإعطاء الغالبية العظمى للمصلين اليهود، مفاجئًا حقاً.
كانت هذه الخطة تذكيرًا بالعديد من التقسيمات المماثلة في التاريخ الفلسطيني الحديث -فكِّرا في خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين في العام 1947، التي أعطت أكثر من 50 في المائة من فلسطين لدولة يهودية. أو تقسيم إسرائيل للأماكن المقدسة في فلسطين في وقت أقرب، مثل المسجد الإبراهيمي في الخليل وقبر راحيل في بيت لحم.
في العام 1994، في أعقاب المذبحة التي راح ضحيتها 29 مصليًا مسلمًا فلسطينيًا على يد مستوطن يهودي أميركي في الخليل، قسمت إسرائيل المسجد الإبراهيمي (حيث يُعتقد أن النبي إبراهيم وزوجته سارة وذريتهم قد دفنوا) بحجة “المخاوف الأمنية”. وفجأة، تم تقسيم المسجد الذي كان في ذلك الوقت مكانًا للعبادة الإسلامية الحصرية، إلى مسجد للمسلمين (40 في المائة)، وكنيس يهودي (60 في المائة)، مع مداخل منفصلة للمكانين.
واليوم، أصبح المسجد الإبراهيمي منطقة عسكرية بكثافة -بالنسبة للفلسطينيين. للوصول إلى المسجد، يجب على الفلسطينيين المرور عبر عدد من نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك البوابات المعدنية، والبوابات الإلكترونية، والفحص البيومتري. كما يخضع المصلون المسلمون إلى مراقبة مستمرة باستخدام شبكة واسعة من الكاميرات.
وينطبق الشيء نفسه على قبر راحيل، الذي يُعتقد أنه المكان الذي توفيت فيه راحيل، زوجة يعقوب. والمكان هو موقع مقدس لليهود والمسلمين والمسيحيين، وقد تم إغلاقه تمامًا أمام الفلسطينيين وسكان بيت لحم في العام 2002 عندما بنت إسرائيل الجدار الفاصل حول القبر، حيث ضمته فعليًا وحولته إلى موقع يمكن الوصول إليه الآن في المقام الأول للمصلين اليهود، أو أولئك الذين يمكنهم الوصول إليه من الجانب الآخر من الجدار. كما تم تحويل المنطقة المحيطة بالقبر إلى قاعدة عسكرية دائمة ومقرًا للقيادة المركزية للجيش الإسرائيلي في قلب مدينة بيت لحم، حيث تطلق القوات الإسرائيلية النار بشكل روتيني على الفلسطينيين وتقتلهم.
بطبيعة الحال، جعلت حقيقة أن إسرائيل قد حاولت -ومارست فعليًا- تقسيم واحتلال الأراضي والأماكن المقدسة الفلسطينية، وكل ذلك على مرأى من المجتمع الدولي، تصريحات هاليفي مقلقة للغاية بالنسبة للفلسطينيين: إذا كانت إسرائيل قد نجحت بالفعل في تقسيم الأماكن المقدسة الفلسطينية والاستيلاء عليها، فما الذي يمنع الدولة من فعل الشيء نفسه مع حرم المسجد الأقصى الذي يعتبر أقدس موقع في اليهودية؟
منذ قيام الدولة، تعمل إسرائيل من أجل السيطرة الكاملة على القدس والمسجد الأقصى، على الرغم من أن المدينة محتلة بشكل غير قانوني، وأن القانون الدولي ينص على أن سلطة الاحتلال ليست لها سيادة على تلك الأراضي، وبالتالي لا يمكنها إجراء أي تغييرات دائمة عليها.
خلال الاحتلال الإسرائيلي للمدينة في العام 1967، دمرت إسرائيل حيًا فلسطينيًا كاملًا، الحي المغربي، من أجل توسيعه إلى ما يعرف الآن بـ”ساحة الحائط الغربي” لتسهيل دخول المصلين اليهود إلى الحائط الغربي المتاخم لمجمع الأقصى. وفي العام 2003 أغلقت إسرائيل بشكل دائم إحدى بوابات المجمع، باب الرحمة. وهناك بوابة أخرى، “باب المغرب”، التي استولت عليها القوات المسلحة الإسرائيلية بالكامل، وهي محظورة تمامًا على الفلسطينيين، وتُستخدم لتسهيل دخول المستوطنين اليهود إلى المجمع. وفي السنوات الأخيرة، أنشأت إسرائيل برج مراقبة عسكريًا دائمًا وقاعدة خارج باب العامود، مدخل الحي الإسلامي في المدينة، وفي العام 2017 حاولت –لكنها فشلت بسبب العصيان المدني الفلسطيني الشعبي–تركيب أجهزة كشف إلكترونية عند بوابات المسجد.
إذا كان لنا أن نتخذ من التاريخ شاهدًا، فمن المرجح أن يأتي رد الفعل العنيف الوحيد الذي ستواجهه إسرائيل من الفلسطينيين أنفسهم، في حين يقف المجتمع الدولي جانبًا ويكتفي بإصدار بيانات تصالحية ونداءات من أجل “الهدوء” والحفاظ على “الوضع الراهن”.
*يمنى باتيل Yumna Patel: صحفية وسائط متعددة مستقلة مقيمة في بيت لحم، فلسطين، ومديرة أخبار فلسطين في موقع مندويس.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Israeli plan to divide Al-Aqsa Mosque presents profound threat to Jerusalem status quo
“الغد”























