الخلاف مع إسرائيل هو خلاف عقيدة ووجود وأمن، فقد تحارَب العرب معها وتظاهر العالم يؤيدها، وضدها، وتحولت إلى رمز لامتداد الاستعمار الغربي بأشكاله ونماذجه، حتى إنها جسدت معنى اغتصاب الأرض ونفي الإنسان الفلسطيني ومن بقي على أرضه يتعرض للقتل والتجويع والحصار..
هذه حقائق متعارفٌ عليها، لكن مع رحلة الزمن الطويل بدأت سياسات جديدة فالبعض قبِل بالسلام مع إسرائيل وفق اعتباراته الخاصة، والبعض الآخر يُراوح بين الإقدام والتراجع بأن يتخذ نفس الخطوات، فيما الثالث ممانع التزاماً بمبدأ الحق العربي، والفلسطيني تحديداً والذي لا نزاع عليه..
منذ أكثر من نصف قرن، والمملكة صديقة لأمريكا تجمعهما المصالح والأمن والاستثمارات والتعليم، وغيرها، ويفرقهما تنافر المواقف تجاه إسرائيل، إذ أن أمريكا تعمل في السر والعلن لأن تكون حزمة في الكيان العربي، وقد ضغطت على المملكة في مناسبات عديدة، لكنها وجدت في ثبات مواقفها مايزيح أي وهْم بأن تبادر في قبول اعتراف وتبادل سفراء.
وتسهيلات أخرى لأن الموضوع مبني على مبادئ، والمبادئ غير متغيرة مع أي ظرف زمني، وقد تعالت أصوات وصدرت اتهامات بأن السعودية حليف لإسرائيل من خلال صداقتها مع أمريكا، وحتى بعض الفلسطينيين عندما تتباين المواقف يتخذون نفس الخط ومع ذلك لم تكن المملكة ممن يُستثار لحالات عابرة جاءت بدوافع انفعالات وغضب مؤقت..
بعض أعضاء مجلس النواب الأمريكي وعددهم (٢٢٠) نائباً بعثوا برسالة إلى خادم الحرمين الملك عبدالله "حضّوه على لفتة مهمة تجاه إسرائيل لبناء الثقة في مسيرة السلام"وكان الرد أنه لا نقض لما جاء في مشروع السلام العربي، أو كما قال الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية إنه "لا تطبيع قبل السلام" الرفض هنا لم يكن مدفوعاً بمجاملة لطرف ما، أو انتزاع بطولة، وإنما هو اتجاه ثابت في التزام المملكة معنوياً وأخلاقياً..
إسرائيل تدرك أهمية أن تحصل على إذن من المملكة للدخول في مفاوضات تُفضي إلى سلام دائم، لأنها الأكبر اقتصاداً، واتزاناً في سياستها والتزاماتها، وهي البوابة لعبور إسرائيل للعالم الإسلامي بعلاقات مماثلة، ثم، وهو الأهم، أن تحصل على اعتراف بمسح جرائمها، وكل هذه الاعتبارات مغلقة ما لم تتم المقايضة بنفس الشروط التي طالبت بها المملكة على مدى السنوات الماضية..
الخطاب من مجلس النواب الأمريكي يضعنا أمام تأكيد أن استقلال قرار المملكة لا مزايدة عليه، ولو كانت الطرف السهل في معادلات السلام، أو أخضعت نفسها لاتهامات، تعد سلفاً، كلما حدثت إشكالات في المنطقة العربية وما يجاورها من العديد من الدول، وأعلنت كفرها بما يقال عنها، وتقدمت خطوة في طريق السلام مع إسرائيل لربما اعتبر إما حماقة، أو حقا طبيعيا باتخاذها ما يناسبها لكن هذه المراوحة في المواقف لم تحدث لأنها تؤمن أنه لا نزاع على الحق العربي مهما كانت الظروف والمزايدات..
الرياض




















