المستقبل –
انتظر الطرفان الفلسطينيان المتنازعان المشروع المصري للحل. وقد جاء المشروع أخيراُ وهو لا يحرج الطرفين. فالانتخابات مؤجلة. وكل شيء موقوف على تشكيل لجنة مشتركة ولجنة أمنية عليا، وللاتفاق على انهاء ملف الأسرى. ولذلك يمكن القول ان امرين اساسيين سيتأخران لأجل غير مسمى: اعادة إعمار غزة، والتحدث بصوت واحد في مفاوضات السلام إن بدأت.
منذ اكثر من عام تكونت لدي ونتيجة متابعة دقيقة- قناعة مؤداها ان الخلاف والاقتتال بين فتح وحماس ليس سببه اختلاف الرؤى حول كيفية حل القضية الفلسطينية؛ وبالسلم أو بالحرب بل علته الوحيدة الحرص على السلطة من جانب فتح، والحرص بأي ثمن على الحصول عليها من جانب حماس. وقد حاولت حماس الوصول الى السلطة بالانتخابات وكادت تفعل لكن شدة ازعاج فتح والمجتمع الدولي دفعاها للاكتفاء بغزة، دونما تفكير كثير بما يمكن أن يؤثره ذلك في مستقبل القضية الفلسطينية. اما صقور فتح (وفي فتح صقور وحمائم ؛ فيما يتزايد الحماسيون في الصقورية!) فقد بلغ من حرصهم على التشبث بكل مفاصل السلطة وتفصيلاتها حد انشاء تنظيمات سرية داخل فتح من أجل الانقسام ان لاحظوا تساهلاً من جانب قيادة فتح في التخلي عن شأن او شؤون سبق لهم ان تولوها. وبذلك انزلقوا باتجاهين: الاستماتة في الحصول على اي نجاح في مفاوضات خارطة الطريق، والاستماتة في استبعاد حماس ولو ادى ذلك الى الاقتتال.
وقد استنصر الطرفان فتح وحماس بالأطراف العربية والاقليمية والدولية. وكانت فتح بالطبع احسن علاقة بالدول العربية الكبرى، وبالأوروبيين وبعض الأميركيين والاسرائيليين. وقد افادها ذلك مادياً وأمنياً، لكنه لم يقو جانبها حقاً لأن شارون كان مستميتاً في تدمير السلطة الفلسطينية ولو لصالح حماس، ولذلك ورغم موت عرفات فانه لم يتراجع عن احتلال الضفة الغربية والخروج من غزة. وكانت لدى الاسرائيليين معلومات أن جانب حماس اقوى في غزة، وجانب فتح اقوى في الضفة. وكان بعض الفتحاويين لا يظنون ان حماساً مهما بلغ انزعاجها من محمد دحلان وضباط الامن، يمكن ان تلجأ للقوة. بيد ان كثيرين كانوا يعرفون التربية العقائدية التكفيرية داخل حماس تجاه الآخرين على الساحة الفلسطينية وبخاصة فتح. والطريف ان حماساً تأخذ ذلك الآن على الآخرين!
على ان العنصر الحاسم في كل المسألة كان وما يزال ظهور وظائف اقليمية للانقسام الفلسطيني! بمعنى ان حماساً التي تريد السلطة بأي شكل وثمن يمكن لها ان تجد انصاراً عرباً واقليميين في سوريا وايران ولاحقاً قطر والجزائر والسودان والصومال.. الخ. سوريا كانت تريد الانتقام من السعودية لأنها لم تتضامن معها في سياساتها تجاه لبنان والعراق. ولا يهمها في شيء ان يتضرر اللبنانيون والعراقيون ما دام ذلك سوف يدفع السعودية لاعادة الاتصال بها. اما ايران فكانت لديها وما تزال ملفات كبيرة مع الولايات المتحدة اعلاها النووي وأدناها أو قاعدتها القضية الفلسطينية ولبنان والعراق. وهكذا تلاقت طموحات حماس مع رغبات ايران وسوريا في ابتزاز السلطة الفلسطينية والعرب من طريق الانقسام والاقتتال على فلسطين وهي ما تزال محاصرة او تحت الاحتلال! وذهب شارون وذهبت افكاره معه واظهر كل من اولمرت وادارة بوش (في عهده الثاني) ارادة للعودة للتهدئة فالتفاوض.
انما كانت حجتهم في التردد وعدم الاقدام الامن. وحماس التي استنامت لمناعم السلطة في غزة، كان لا بد ان تبقي كوادرها على استعداد. ثم ان الايرانيين على الخصوص كان لا بد ان يذكروا العالم بوجودهم وقوتهم بعد حرب تموز عام 2006. وهكذا وقد اجتمعت كل تلك العناصر شنت حماس هجمات بالصواريخ على اسرائيل بعد انتهاء الهدنة؛ فردت اسرائيل بالحرب المدمرة على غزة أواخر العام 2008 وهكذا صار الطريف ان اسرائيل وحماس تتعاونان دونما تخطيط مشترك على ابعاد مرحلة التفاوض وابعاد تاريخ قيامة الدولة الفلسطينية. اما اسرائيل فلأن كثيرين من مثقفيها ما يزالون غير مقتنعين، ان قيام الدولة الفلسطينية سيحسن العلاقات بين الشعبين والبلدين. واما حماس فلأن شعاراتها ترفض وجود اسرائيل وفي الحد الأدنى فهي ترفض اتفاقيات اوسلو وما صارت اليه السلطة الفلسطينية في التفاوض مع اسرئيل.
وسط هذا الوضع، ماذا يمكن القول عن مستقبل العلاقات الفلسطينية الفلسطينية؛ فحماس متشبثة بالسلطة التي حصلت عليها بالقوة وفتح متمسكة بالميزات التي حصلت عليها في الضفة الغربية. ولذا فالذي اراه انه لا مخرج من المأزق الا بانفراد احد الطرفين، او القبول بالشراكة بينهما. والانفراد الآن غير ممكن، كما ان الشراكة بعيدة المنال فهل تقبل سوريا الشراكة العربية وهل تكف ايران عن التدخل والاثارة؟ وهل يريد الاميركيون السلام حقاً؟ كل تلك اسئلة المحبطين او العاجزين. ولا حول ولا قوة الا بالله.







