ليس هناك شك في أن البعد الاقتصادي للعولمة، باعتبارها العملية التاريخية التي تهيمن على المناخ السياسي العالمي اليوم، يعتبر من أهم أبعادها. وهذا البعد الاقتصادي يتمثل في رأسمالية العولمة التي يطلق عليها بعض الباحثين "الرأسمالية المعلوماتية"، بحكم اعتمادها أساساً على ثورة الاتصالات الكبرى وفي قلبها شبكة الإنترنت.
وبعبارة أخرى لو اعتمدنا على التعريف الإجرائي للعولمة الذي صغناه منذ سنوات والذي يذهب إلى أنها هي "سرعة تدفق المعلومات والأخبار والسلع ورؤوس الأموال والخدمات والبشر من مكان لمكان آخر في العالم، بغير حدود أو قيود" لأدركنا ماذا عنى الباحثون بمفهوم "الرأسمالية المعلوماتية".
لا يمكن تحقيق قفزة نوعية في مجال التقدم الحضاري بشكل عام، ما لم يتوحد الوطن العربي سياسياً، وما لم يتكامل اقتصادياً.
وذلك لأن رؤوس الأموال أصبحت تنتقل بسرعة "الفيمتو" ثانية من مكان إلى مكان آخر، كما أن حركة البورصات العالمية صعوداً وهبوطاً أصبحت مستمرة طوال الأربع والعشرين ساعة، حيث يتم التعامل بملايين الدولارات على مدار الساعة.
ويمكن أن نرجع لبعض البيانات الأساسية التي أصدرتها منتديات الحوار الحضاري العالمية، وأبرزها إعلان "براغ" الذي أصدره "منتدى 2000" والذي ضم من عام 1997 حتى عام 2001 مجموعة متنوعة من المثقفين والمفكرين والعلماء، لكي نطلع على الانتقادات العنيفة التي توجه لرأسمالية العولمة. وقد ركز إعلان "براغ" على أربع مشكلات أساسية.
المشكلة الأولى هي ضرورة صياغة حد أدنى أخلاقي. وتقوم هذه المشكلة على أساس تتبع صور العنف التي فاض بها القرن العشرون، مما يحمل على الظن أنها يمكن أن تمتد إلى القرن الحادي والعشرين. ومن هنا تأتي أهمية صياغة مجموعة قيم أخلاقية تمثل الحد الأدنى الذي ينبغي أن تلتزم به الحكومات والشعوب وتحترمه.
والمشكلة الثانية تتعلق بالديمقراطية على النطاق العالمي والتي تقتضي الاتفاق على معايير عالمية لاحترام التعددية والتنوع الإنساني.
والمشكلة الثالثة هي أهمية الحفاظ على الهوية المحلية ورأس المال الاجتماعي والتنمية البشرية.
والمشكلة الرابعة والأخيرة تنطلق بالفعالية السياسية لاقتصاد العولمة.
وفيما يتعلق برأسمالية العولمة قرر إعلان "براغ" أنها مصدر للثراء الناشئ المتنامي ولضروب متعددة من التوتر في الوقت نفسه. وتحتاج هذه العبارة المهمة إلى تفكيك، فهذا الثراء المتنامي لا تنعم به إلا الدول المتقدمة اقتصادياً وصناعياً وتكنولوجياً، على حساب أغلب دول العالم التي ما زالت تعاني في سبيل تحقيق تنمية مستدامة. وهذا الوضع خلق سلسلة مترابطة من التوترات بين الدول الغنية والدول الفقيرة من ناحية، وبين القلة من رجال الأعمال الذين أثروا في البلاد النامية على حساب ملايين الفقراء، مما خلق حالة استقطاب طبقي حادة، ستؤثر لا محالة في الأجل المتوسط على حالة الاستقرار السياسي.
ومن هنا فإن ما جاء بإعلان "براغ" صحيح تماماً، وهو أنه لا يمكن الحفاظ على شرعية الأسواق المعولمة في الوقت الذي لا يستفيد منها إلا خمس سكان العالم، على حساب استغلال الموارد الطبيعية والإنسانية لأربعة أخماس سكان المعمورة.
والواقع أن معاهدة منظمة التجارة العالمية التي نشأت وأسست على تراث اتفاقيات "الجات" لتحرس مبدأ حرية التجارة وإطلاق قوى المنافسة العالمية على أساس أن كافة الدول تعامل كأنداد في السوق العالمية، تجاهلت إلى حد كبير الفروق الضخمة بين الدول المتقدمة والدول النامية، نتيجة للفجوة التاريخية في مجال إرساء قواعد المجتمع الصناعي والتكنولوجي بين السابقين واللاحقين. ومن هنا اعتبار الدول كلها بغض النظر عن الفروق النوعية بينها متساوية في سوق المنافسة العالمي، ليس إلا وهماً. والدليل هو المناقشات المحتدمة بين الدول النامية والدول المتقدمة في إطار المفاوضات التي تجري داخل مؤتمرات منظمة التجارة العالمية، في محاولة منها لتقليل معدلات الظلم والإجحاف الذي تقوم به الدول المتقدمة، والتي هي ترجمة دقيقة لمحاولاتها "الغزو الاقتصادي" للدول النامية، سواء بغزو أسواقها وإغراقها بالسلع جيدة الصنع مما يزيح السلع المنتجة محلياً، أو من خلال إزاحتها من سوق المنافسة العالمية، عن طريق تطبيق معايير الجودة على سلعها بشكل متزمت، مما يسبب أضراراً بالغة باقتصاداتها.
وقد التفت إعلان "براغ" إلى أن اقتصاد العولمة المثالي ليس هو ذلك الذي يتم تنظيمه وفق قواعد بالغة الدقة، بقدر ما هو ذلك الذي يزيد من رأس المال الاجتماعي، وينمي الإمكانيات الإنسانية، ويوسع من فرص الحياة المتاحة أمام الناس.
ولا ينبغي إطلاقاً لاقتصاد العولمة أن يفلت من دائرة الرقابة الإنسانية، ومن هنا تظهر ضرورة مجابهة آثاره المدمرة من خلال تفعيل التنمية المحلية المستدامة. ويبدو التحدي في إيجاد التوازن بين الاستثمارات الرأسمالية والاستثمار في التعليم، والفوائد المرجوة من تدعيم المجتمع المدني والحفاظ على دور الدولة في التنمية، وتنمية القطاع الخاص في الوقت نفسه.
وإذا طبقنا الملاحظات السابقة على الاقتصاد العربي، فإننا نستطيع أن نضع أيدينا على السلبيات الرئيسية في الممارسة الاقتصادية العربية.
والواقع أننا لو طبقنا المنهج المقارن لاكتشفنا أن البلاد العربية -على وجه الإجمال- لم تستطع أن ترقى لمستوى تحديات العولمة الاقتصادية، بالمقارنة مع دول نامية أخرى مثل ماليزيا، استطاعت أن تتصدى بنجاح ساحق لحاجز التخلف، وتنطلق إلى مجال التقدم، مستخدمة في ذلك عدة عناصر أساسية.
وأول هذه العناصر على الإطلاق -وهو الذي يفتقر إليه بشدة الاقتصاد العربي- هو بلورة رؤية استراتيجية واضحة تنعكس على التخطيط المستقبلي. وبعبارة أخرى، منذ سنوات وضعت ماليزيا خطة، لكي تطبق بصورة منهجية عبر عشرين عاماً. وهذه الخطة واضحة الأهداف ومحددة الوسائل. وعبر قيادة سياسية ملهمة تمثلت في "مهاتير محمد" استطاعت ماليزيا أن تنفذ الخطة وتخرج من دائرة التخلف.
والعنصر الثاني المهم والأساسي هو إحداث ثورة في مجال التعليم. وقد استطاعت ماليزيا أن تعيد صياغة البرامج التعليمية لكي تتفق مع متطلبات سوق العمل، واضعة في الاعتبار التغيرات الكبرى في بنية المجتمع العالمي، وخصوصاً في مجال الثورة الاتصالية، وأدوات التعامل الإلكترونية في التجارة والاقتصاد.
والعنصر الثالث هو تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى عقيدة شعبية تتبناها الجماهير، من خلال تبسيط الأهداف والتحديد الدقيق لوسائل التنفيذ.
ولو نظرنا للمجتمع العربي المعاصر، لاكتشفنا على الفور أنه يفتقر -نتيجة لغياب التكامل العربي- إلى رؤية استراتيجية تحدد ملامح مستقبله في العشرين عاماً القادمة. وفي ضوء غياب التكامل الاقتصادي ترسخت القُطرية، وأصبح كل قطر عربي يحاول منفرداً تحقيق التنمية الاقتصادية بطريقته.
ومن المنطقي أن تختلف الدول العربية في استراتيجيات التنمية، بحكم الاختلاف النوعي بين الدول العربية النفطية الغنية والدول العربية غير النفطية. وتكشف عن الفروق الجسيمة بين هاتين الفئتين من الدول الفروق الضخمة في توزيع الدخول بين بلدان قليلة السكان وغزيرة الدخل الفردي الاجتماعي، ودول أخرى كثيفة السكان ومتدنية الدخل الفردي.
والواقع أن عدداً من الدول العربية غير النفطية فرضت عليها فرضاً برامج التكيف الهيكلي من طرف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقد أدى تطبيق هذه البرامج إلى إصلاح اقتصادي محدود من ناحية، وإلى آثار اجتماعية سلبية متعددة، كشفت عنها مساوئ تطبيق نظام الخصخصة الذي أدى إلى تسريح آلاف العمال.
كما أن رفع الدولة يدها عن التدخل في الاقتصاد، وترك المجال بالكامل تقريباً للقطاع الخاص أدى إلى تركز الثروة في يد القلة من رجال الأعمال، وهبوط الطبقة الوسطى إلى مستوى الطبقات الدنيا، نتيجة للتضخم وتدني الأجور والمرتبات، مما أدى إلى تدهور نوعية الحياة.
والواقع أن ما تشير إليه التقارير الدولية عن وضع التنمية في العالم العربي، حيث يشير بعضها إلى وجود حوالى 73 مليون عربي تحت خط الفقر، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة، يؤكد الفشل الواضح في إدارة الاقتصاد العربي. وقد لا تكون هذه العبارة الأخيرة دقيقة، لأنها يمكن أن يستشف منها وكأن هناك إدارة مركزية للاقتصاد العربي، وليس هذا صحيحاً.
إن ما تعنيه هو أن كل دولة عربية على حدة، لم تنجح بشكل لافت للنظر في تحقيق التنمية المستدامة في سياق العولمة الرأسمالية.
ومرد ذلك إلى أن العولمة الاقتصادية تفرض على عديد من الدول -بحكم حدة المنافسة- أن تتجمع في شكل اتحادات إقليمية مثل "الاتحاد الأوروبي" و"النافتا" و"الآسيان".
غير أن العالم العربي لم يستطع حتى الآن أن يتوحد لا في إطار سياسي يأخذ شكل الوحدة الكونفيدرالية، أو في إطار اقتصادي يتخذ صورة السوق العربية المشتركة، في ضوء تنسيق اقتصادي فعال.
وهكذا يمكن القول إنه لا ينتظر أن تحقق الدول العربية في العقد القادم أي إنجازات اقتصادية مبهرة، في ضوء التجزئة والتفتت والقُطرية الراسخة.
ولا يمكن في الواقع تحقيق قفزة نوعية في مجال التقدم الحضاري بشكل عام، ما لم يتوحد الوطن العربي سياسياً، وما لم يتكامل اقتصادياً. وهذا هو السبيل الوحيد للتعامل الخلاق مع تحديات العولمة.
"الاتحاد" الاماراتية




















