تسعى تركيا جاهدة لاحتواء الأزمة الدبلوماسية التي بدأها العراق مع سورية، وتشهد مدينة «النحل» اسطنبول حيوية دبلوماسية واضحة، ومستترة لتحقيق هذا الهدف. كما تستضيف أنقرة اجتماعات أمنية برعاية سياسية بين العراق وسورية وحضور تركي فاعل هدفه وضع خطوط تفصيلية على المستوى الأمني يمكن من اجتماع وزراء الخارجية الرباعي في استنبول، إذا انعقد الخميس، بحضور أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، أن يترجمها سياسياً.
تركيا تجهد أولاً، وقبل التقدم استراتيجياً في علاقاتها مع العراق وسورية إلى احتواء الخلاف والحد من تفاقمه، وذلك وصولا حتى عودة السفراء بين البلدين والانتقال نحو أفق أوسع تسعى نظرية وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو ومن خلفه حزب العدالة والتنمية إلى تطبيقه.
وكان داوود أوغلو الذي سارع باتجاه بغداد ودمشق بتوجيه من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، قد وجد في الصراخ العراقي نحو التدويل مطباً لا يمكن تجاوزه لتصوره للشرق الأوسط الجديد، يجعل المنطقة مجدداً مفتوحة للتدخل الدولي بين عناصرها، ويسمح بنشوء مشاريع ذات بنية خارجة عن مصالح بلدان المنطقة.
وإن كان داوود أوغلو قد صرح بأن الحريق الذي يصيب جيرانك لا بد أن يصيبك إذا لم تسع لإخماده، إلا أن ما عناه الوزير التركي كان أبعد من ذلك.
إذ تخوف منظّر السياسة التركية الحديثة من أن يتحطم مشروعه السياسي الاقتصادي والذي يقوم على أسس بناء تحالفات إستراتيجية مع جيران إقليميين وربط هذه التحالفات بعضها ببعض نحو تحقيق فضاء إقليمي شبيه بالذي يجمع بين دول الاتحاد الأوروبي وتجارب أخرى مشابهة.
خطة داوود أوغلو تلك مبنية على أن تقوم دول أساسية بموقع جغرافي متميز وقدرة إنتاج واستهلاك كبيرة بتشكيل هذه النواة التي تستطيع أن تشكل نفخة الحيوية في الشرق الأوسط. ولاعتبارات أخرى يرى المنظر التركي أن هذه الدول يمكن أن تتكون من العراق الغني والمؤهل للنهوض خلال السنوات المقبلة وسورية المعبر الإقليمي والقوة المستقلة، وتركيا من جهة، بينما يمكن أن تشكل مصر منفذاً لهذا المشروع لإفريقيا وحاملاً عربياً مع سورية لتوسيعه.
وسبق لداوود أوغلو أن عمل مع العراق لتأسيس مجلس للتعاون الإستراتيجي سابقاً، وينتظر أن يتم اليوم خلال اجتماعات مشتركة بين وفد سياسي واقتصادي عراقي ونظرائه من الأتراك التوقيع على المبادئ الأساسية لهذا التوجه، وذلك تمهيدا لإعلانه عبر اجتماع المجلس الأعلى في بغداد لاحقاً، برئاسة رئيسي وزراء البلدين.
و«يحلم»، إذا صح القول، داوود أوغلو بخطوة مشابهة مع مصر، ويتمنى وفق تصوره المنهجي أن تقوم البلدان العربية بتحرك مشابه فيما بينها، الأمر الذي يسمح لاحقاً بوصل هذه السلسلة من حلقات التعاون في حلقة واحدة تكون تركيا محركاً حيوياً وأساسياً فيها.
وتحظى هذه العملية حتى اللحظة بتفهم أميركي، ولا تعوقها ظاهرياً، على الأقل، قوى أخرى وذلك حتى اللحظة التي اندفع فيها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى نوافذ الإعلام ليصيح مطالباً بمعارضيه المقيمين في سورية.
نكسة مشروع داوود أوغلو العراقية تخيف أنقرة، وتدفع باتجاه حسابات إقليمية دقيقة، تعرف تركيا تاريخياً أن التقارب السوري العراقي يقف وراءه أعداء كثر، إلا أن أسئلة تبرز أيضاً ضد من يمكن أن يقف ضد هذا التوجه الإقليمي الذي تقوده السياسة التركية المتفق على دورها حالياً.
أسئلة تدفع الأتراك من خلف نوافذهم المطلة على أوروبا والشرق الأوسط إلى بذل كل محاولة ممكنة لإنقاذ مشروع التحول إلى القوة الأنعم والأكثر تأثيرا في الشرق الوسط. وفي هذا امتحان أنقرة الأول.
"الوطن" سورية




















