يعلو تواتر الصوت الإسرائيلي المتعجل على تنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران، مستنداً إلى مقولة «التملص الإيراني» من الضغوط الخارجية المسلطة على طهران والتي تقودها الولايات المتحدة، وتراجع أهمية العقوبات ودورها التي إن تراجعت أو زادت بالنسبة لإيران.
كما أن التصريحات المتواترة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وكذلك الجنرال ايهود باراك تأتي لتقول بأن إسرائيل تملك كل الخيارات، بما فيها العمل العسكري.
معتبرين بأن التلويح العسكري الإسرائيلي يقدم أيضاً خدمة للرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث يستطيع أن يلوح بالعصا الإسرائيلية كعصا إسناد ومساعدة، وكوسيلة لدفع الإيرانيين نحو الحوار، بل وربما تقديم التنازلات على طاولة الحوار القادم في سبتمبر كما هو مقرر تقريباً إلى الآن.
في هذا السياق، ومع توفر مؤكدات تشير بأن الولايات المتحدة على قناعة تامة بأن إيران تواصل التقدم في ملفها النووي حيث من شأنها أن تجتاز قريباً جداً عتبة نوعية على هذا الصعيد من التخصيب السريع لليورانيوم (235) باتجاه الإنجاز الكامل للقنبلة النووية، يتكاثر الحديث الآن عن بدائل أميركية لوقف الهلع الإسرائيلي المتصاعد من إمكانية اجتياز طهران لعتبات حرجة على طريق استكمال بناء وتطوير قدراتها النووية.
والبدائل الأميركية التي تحاول واشنطن من خلالها طمأنة تل أبيب عبر طريقين، أولهما وضع إسرائيل في صورة أن الخيار العسكري قائم بكل الحالات كاحتمال يمكن اللجوء إليه حال استعصت الأمور.
ووصلت إلى طريق مسدود، والدليل على ذلك إعلان واشنطن عن القيام بالمناورة الجوية المشتركة الأميركية الإسرائيلية قبل فترة ليست ببعيدة تحت عنوان مناورة «العلم الأحمر» في قاعدة سلاح الجو الأميركي نيلس في أجواء صحراء نيفادا الأميركية.
وفي أثنائها تم التدرب على تزويد الطائرات الإسرائيلية في الجو بالوقود من طائرات أميركية، وشارك فيها سرب من طائرات (اف ؟ 16 أي/ العاصفة) وهي من الطراز الحديث الذي يتحمل عبء الهجوم على أهداف بعيدة.
وثانيهما فيما يتردد عن سعي الولايات المتحدة لتشكيل «مظلة حماية» من الولايات المتحدة لإسرائيل وفق ما ذكرته العديد من المصادر الأميركية بما في ذلك ما صدر على لسان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في زيارة الأخيرة لفلسطين المحتلة، وهو أمر اعتبره البعض بمثابة تسليم محتمل من الولايات المتحدة بالقنبلة الإيرانية كما جرى في السابق التسليم بالقنبلة الباكستانية والهندية وان اختلفت تفاصيل الأمور بين الهند وباكستان عنها بالنسبة لإيران.
وسارت اتجاهات الطمأنة الأميركية لإسرائيل خطوة إضافية باتجاه القول بأن تنشيط المسار التفاوضي الإسرائيلي السوري وإحداث اختراق نوعي فيه سيضعضع من تماسك التحالف السوري الإيراني.
وبالتالي فإنه سوف يسهل محاصرة إيران وإحكام «طوق الكماشة حولها» ويقزم من حضورها وتأثيرها الإقليمي. وزاد من ذلك أن بعض المصادر العسكرية الإسرائيلية، وتحديداً رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال يوسي بايدتز يشارك الإدارة الأميركية الرأي ذاته، ويتوقع أن تبتعد سوريا عن إيران وحزب الله وحركة حماس حال انتعاش المسار التفاوضي مع سوريا ووصوله إلى حسم مؤثر.
ففي الموضوع المتعلق بالمفاوضات المستقبلية مع سوريا وإمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات تتباين تقييمات ومواقف القادة الإسرائيليين بين متحمس لعودة المفاوضات مع سوريا باعتبارها تسهم في «إخماد النار، وتفكك ألغاما خطيرة في المنطقة» حسب بعض منهم، ومن يرى بعبثية المفاوضات معها.
بينما نصح آخرون بنيامين نتانياهو بالالتفات إلى المسار مع السوريين باعتباره أكثر جذباً من المسار مع الفلسطينيين. فيما جنح عضو رئيس الموساد الأسبق الجنرال داني ياتوم للقول «إن الشرق الأوسط لن يكون مستقراً من دون سلام مع سوريا».
بينما يقول كل من الرئيس السابق لما يسمى «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي» غيورا آيلاند، والرئيس السابق لقسم الدراسات في شعبة الاستخبارات العسكرية يعقوب عاميدرور، انه من دون التوصل إلى اتفاقيات أمنية واضحة مع الفلسطينيين أولاً فإنه قد ينشأ وضع خطير في المنطقة، معتبراً كل منهما التقدم في مفاوضات مع سوريا دون الفلسطينيين سيؤدي إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة.
حيث سيكون الفلسطينيون في حالة إحباط من أن العملية السياسية معهم لم تصل إلى حل. وشككا بتنازل سوريا عن علاقاتها مع إيران وحزب الله واصفا كل منهما المراهنة على ذلك بالوهم. وذهب عامي درور أبعد من ذلك في القول بأن سوريا لن تتخلى عن حلفائها بقوله «يحاولون بيعنا وهما ولا يوجد شخص واحد في العالم يعتقد بأنه إذا عاشت سوريا معنا بسلام فإنها ستوقف علاقاتها مع إيران. إنهم يذرون الرماد في العيون».
وفي هذا السياق، فإن رئيسي جهاز الموساد (المخابرات الإسرائيلية الخارجية) مائير داغان ورئيس الاستخبارات العسكرية عاموس يدلين (أمان) اعتبرا بأن اتفاق سلام مع سوريا «لن يزيل خطر اندلاع حرب معها فحسب، وإنما سيحدث أيضاً انشقاقا بين دمشق وإيران».
ويرون في الوقت نفسه أن إسرائيل غير محصّنة ضد أي هجوم قد تشنّه سوريا «بقدراتها من الأسلحة الكيميائية التي طوّرتها بمساعدة خبراء من كوريا الشمالية». وعليه فإنهم باتوا يدعون رئيس الوزراء للاندفاع نحو إعادة إحياء المسار التفاوضي مع سوريا كطريق أفضل لإحداث تقدّم سياسي مع الإدارة (الأميركية) الجديدة.
ويلحظ في التقديرات الأميركية الإسرائيلية القائلة بإمكانية تفكيك العلاقات السورية الإيرانية سذاجة فاقعة، فالنظام في سوريا يدرك تماماً بأن العلاقات بين دمشق وطهران تشكل واحداً من أدوات القوة في الموقف السوري السياسي والتفاوضي في المنطقة، فضلاً عن المكتسبات التي تجنيها دمشق من فوائد متبادلة في العلاقات الاقتصادية والسياحية مع طهران.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
"البيان"




















