أثار الكشف عن زيارة قام بها قائد قوات “الصناديد”، حليفة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، إلى محافظة درعا، حيث التقى قيادات عشائرية من المدينة ومن السويداء المجاورة، الكثير من التساؤلات عن أسباب هذه الزيارة، ومدى علاقتها بما يجري تداوله بشأن تجديد واشنطن تفعيل مشروع الحزام العشائري الذي طُرح للمرّة الأولى عام 2020، لمواجهة النفوذ الإيراني في سوريا، وما إذا كان المشروع بصيغته الجديدة، لا يقتصر على المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المتحالفة مع القوات الأميركية في شمال شرق سوريا فحسب، بل يمتد كذلك إلى منطقة الجنوب السوري.
وأشارت مصادر متابعة إلى أنّ قائد قوات “الصناديد” بندر الحميدي دهام الجربا، حضر في محافظة درعا وتحديداً في منطقة اللجاة في شهر أيّار (مايو) الماضي، من دون تحديد الأشخاص الذين التقى بهم، ولكن تلك الزيارة كانت بهدف الحشد لمشروع الحزام العشائري.
وكشف بعض التسريبات عن اجتماع عُقد بين ممثلين (لم يتمّ تحديد هويتهم) من السويداء، مع ممثلين من قوات “قسد”، للبحث في المشروع نفسه وإمكان انخراط المحافظتين الجنوبيتين فيه، وهذا ما دفع بعض الأطراف في السويداء في الرابع من حزيران (يونيو) الفائت إلى توزيع منشورات ترفض العلاقة مع “قسد” والنظام على حدّ سواء، وتطالب بتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي ينصّ على حلّ سياسي في سوريا، وفق تقرير صدر عن “تجمّع أحرار حوران” المتخصّص بمتابعة أخبار المنطقة الجنوبية.
التنسيق مطلب أميركي
وكان وفد رفيع من القوات الأميركية العاملة في سوريا، قد التقى مع بندر حميدي دهام في منطقة اليعربية بالحسكة، في الثاني من حزيران (يونيو) الماضي. وذكرت التقارير في حينه أنّ القادة العسكريين الأميركيين طلبوا من قوات “الصناديد” التحرّك بالتنسيق مع “جيش سوريا الحرّة”، في منطقة التنف الواقعة على المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن. وأضافت أنّ الجانب الأميركي دعا إلى التنسيق بين الكيانين المذكورين “في إطار التدابير المُتخذة ضدّ الإرهابيين الأجانب المدعومين من إيران، وضمان أمن الحدود”.
وكشفت وكالة كردية، مطلع العام الجاري، معلومات عن تبنّي الولايات المتحدة مشروعاً جديداً في مناطق شرق الفرات الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديموقراطية”، تهدف من خلاله إلى إشراك المكوّن العربي بشكل أوسع في المؤسسات القائمة في المنطقة، بالاتفاق مع “قسد”. وذكرت وكالة “باسنيوز”، أنّ “أميركا تعتزم بناء تحالف جديد بين “مجلس سوريا الديموقراطية” (مسد) وأطراف سورية معارضة أخرى، لتعزيز مشاركة المكوّن العربي في المؤسّسات القائمة بكردستان سوريا-غرب كردستان، سواء في الجانب الإداري والسياسي أم الجانب العسكري”.
وأشار مصدر إلى أنّ ثمة لقاءات تجري بين التحالف السوري الوطني (وهو إطار يضمّ كتلاً وهيئات سياسية تمّ تشكيله عام 2020 في واشنطن) و”مجلس سوريا الديموقراطية” (مسد) بإشراف من الجانب الأميركي، وذلك بهدف تشكيل تحالف واسع بالتزامن مع عملية التطبيع الجارية بين تركيا والنظام السوري.
ولفت المصدر إلى أنّ “فصيل لواء ثوار الرقّة الذي يقوده أحمد علوش الملقّب بـ”أبو عيسى”، سوف يعود إلى الواجهة من جديد بدعم أميركي”. وكان وفد أميركي قد التقى أخيراً بقائد فصيل “لواء ثوار الرقة” في مقرّ الفرقة 17 في الرقة، وفق الوكالة الكردية.
مشروع جدّي أم تكهّنات ورغبات؟
ومنذ عام 2020 يُتداول حديث بين الحين وآخر عن مشروع الحزام العشائري الذي يشكّل جوهر الخطة الأميركية الجديدة، غير أنّ العديد من مراكز الأبحاث السورية المعارضة شكّكت في جدّية المشروع، واعتبرت أنّه مجرد خيال لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع. وقال عرابي عرابي في دراسة تقدّم بها إلى معهد المجتمع والسياسة، إنّ المشروع ليس أكثر من تكهّنات أو خواطر رغبوية في أحسن الأحوال، فبالرغم من وجود أفكار مطروحة عامة بشأن وجود تشكيل عربي في المنطقة لمنع الشباب من الانخراط في صفوف الميليشيات الإيرانية، إلاّ أنّه لم يحدّد أي مسار عملي من جهة، ولم تتبنَّه أي دولة فاعلة بشكل استراتيجي من جهة أخرى.
بدوره، أكّد “تجمّع أحرار حوران” الذي كشف عن المعلومات الأخيرة، أنّ أي تقارير موثوقة لم تتحدث عن وجود هدف للمشروع الأميركي للتوسع نحو الجنوب السوري من أجل مكافحة المخدرات، بخاصة في محافظتي درعا والسويداء، على الرغم من بعض المؤشرات التي تكسر الصمت تجاه هذه المنطقة.
وثمة تساؤل كبير بشأن رضوخ إيران لخروج الجنوب السوري من يدها، فعلى رغم المصالحة العربية مع النظام السوري، وحضور الرئيس السوري بشار الأسد القمّة العربية في جدّة، وما سبق ذلك من اتفاق لوقف أنشطة تهريب المخدّرات إلى الأردن ودول الخليج، واستهداف أحد مهرّبي المخدّرات في بادية السويداء، إلاّ أنّ أنشطة إيران وقوات الجيش السوري من الفرقة الرابعة والأجهزة الأمنية لم تتوقف، سواء في تهريب المخدّرات والسلاح، أو في استمرار التغلغل الإيراني في الجنوب، وهو الخطر الداهم على المنطقة والدول العربية المجاورة خلال السنوات المقبلة، وفق ما أوضح التجمّع ذاته.
دور إيران في خصخصة الطيران
ويبدو أنّ إيران تنبّهت بشكل مبكر للمشروع العشائري في شرق سوريا، على رغم عدم وضوح معالمه بشكل كامل بعد، حيث دفعت النظام السوري إلى فكرة خصخصة خطوط الطيران الجوية السورية، وحقوق تشغيل المطارات السورية المدنية (دمشق وحلب)، من خلال الموافقة على منح شركة “إيلوما” حقوق استثمار الخطوط الجوية السورية، وحقوق تشغيل المطارات السورية، وفق وثائق لتأسيس هذه الشركة، حصل “تجمّع أحرار حوران” على نسخة منها.
يسار إبراهيم وعلي نجيب إبراهيم، هما مالكا الشركة، إضافة إلى كل من علي محمد ديب، رزان نزار حميرة، راميا حمدان ديب، والذين سُجّلت الشركة بأسمائهم، في حين أنّ الإدارة الفعلية لكل من يسار وعلي إبراهيم، اللذين يمثلان واجهة الإمبراطورية الاقتصادية لنظام الأسد، أي بالنتيجة لإيران التي أصبحت تملك حرّية النقل الجوي إلى سوريا واستخدام المطارات السورية بموجب اتفاقات سيتمّ توقيعها مع الشركة المستثمرة الجديدة “إيلوما”، ليكون التعامل مع شركة خاصة بعيداً من التعامل الرسمي مع النظام السوري.
وختم “تجمّع أحرار حوران” تقريره بالقول، إنّ مشروع الحزام العشائري في شرق سوريا من المشاريع المهمّة، بخاصة في حال امتد ليشمل الجنوب السوري في المرحلة التالية، فهو قادر في هذه الحالة على الحدّ من النفوذ الإيراني بشكل كبير، وقادر على قطع الطريق الرئيسي لإيران بتشكيل الهلال الشيعي من طهران إلى بيروت، على رغم وجود بدائل إيرانية عديدة.
“النهار العربي”


























