وسام سعادة
بدل أن تعيد حركة الإطاحة بالدستور الحاليّ للبلاد حساباتها في ضوء النتائج الإنتخابية فضّلت الإلتفاف على هذه النتائج، متلطيّة وراء "قانون العدد" حيناً (نظرية "الأكثرية الشعبية" في مواجهة "الأكثرية النيابية) ووراء بدعة "التوافق المطلق" حيناً آخر (نظرية إمّا جبران باسيل وإما التعطيل والفوضى).
فحركة الإطاحة بالدستور لا تجد كبير حرج في توظيف "قانون العدد" بنفسية نافية لكل تعدّدية توافقية، مثلما لا تتردّد في الإلتجاء إلى بدعة "التوافق المطلق" بمنطق لا يقيم حساباً لأكثرية وأقلية. هذا ما تدأب عليه حركة الإطاحة بالدستور منذ أربع سنوات: إعتقال "العدد" وتوجيهه ضدّ "التعدّد"، وأسر "التعدّد" وسوقه ضدّ "العدد". وهذا نقيض المسار الديموقراطيّ. فالديموقراطية هي في الأساس لعبة مزاوجة بين ما للعدد وما للتعدّد. الديموقراطية هي تصوّر معيّن للإحتكام إلى العدد يستند إلى تصوّر معيّن عن عيش التعدّدية وإعادة إنتاجها لما فيه الخير العام. عندما يجري توجيه "العدد" ضد "التعدّد" تهدّد الديموقراطية وتُمسَخُ ديكتاتورية شعبوية. وكذلك عندما يجري توجيه "التعدّد" ضدّ "العدد" تضمحل الديموقراطية أو تفقد مناعتها. كيف الحال إذاً عندما يلغي فريق حكم "التعدّد" بإسم "العدد" وحكم "العدد" بإسم "التعدّد"؟ مثل هذا الفريق لم يعد يكتفي بـ"التعطيل".. إنّه ماض في عملية "التفكيك".. تفكيك اللعبة الديموقراطية من خلال إلغاء المنطق الدستوريّ الذي على أساسه تحتكم إلى العدد، وهو منطق الإنتخابات التشريعية، ومن خلال إلغاء المنطق الدستوريّ الذي على أساسه تحتكم إلى التعدّد، وهو منطق المناصفة الإسلامية المسيحية والفصل والتعاون بين السلطات ومنطق تداول السلطة والثقافة المعتدلة التوافقية اللاتخوينية التي لا مكان فيها لندب ندّابة أو لزجر زاجر.
فـ"قانون العدد" أثبت في السنوات الأخيرة أنه إلى جانب الحراك الإستقلاليّ في لبنان. آية ذلك تجلّت يوم 14 آذار 2005. خال كثيرون أن تظاهرة 8 آذار كانت "الأضخم" و"الأعظم" في تاريخ لبنان، فنزل الشعب إلى الساحات ليبدع أكبر منها. وقانون العدد أمّن فوز الأكثرية الإستقلالية في انتخابات 2005 مثلما عاد وجدّد لهذه الأكثرية في انتخابات 2009، ومن دون "تحالف رباعيّ" هذه المرة، وفي ظلّ ظروف أمنية ضاغطة هي في جزء أساسي منها من تداعيات 7 أيار.
أمّا "قانون التعدّد" فقد بيّن الحراك الإستقلاليّ، في منعطفات أساسية، مراعاته له، مرة بإلإشارة إلى التناقض بين ثقافة لـ"الوصل" والتعدّد وأخرى للـ"فصل" والأحادية، ومرة بمدّ اليد للجميع وفي كل اتجاه، بما في ذلك مدّ اليد، من موقع "ثقافة التعدّد" إلى أهل ثقافة "الأحادية".
والحال هذه، فإن الإنقسام اللبناني غير قائم بين من يغالي في "العدد" على حساب "التعدد" أو في "التعدد" على حساب "العدد". إنّه إنقسام قائم بين من يريد أن يزاوج "العدد" بـ"التعدد" والعكس بالعكس، وعلى قاعدة ميثاقية دستورية تنطلق من أحكام الدستور الحالي للبلاد، وبين من يريد تعطيل النظام اللبنانيّ إنطلاقاً من تقويض أساساته، والتحايل على قانون العدد كما على مساحات التعدّد، على إعتبار أنّه لا العدد ولا التعدد ينبغي أن يقام لهما وزن يقابل وزن السلاح. وهنا كل المشكلة: إذا كان "السلاح" يأتي قبل العدد وقبل التعدّد، وإذا كان للـ"سلاح" عدده الخاص به، أي الديموغرافيا التي تتسلّح به ويتسلّح بها، فكيف يمكن أن تستقيم العلاقة بين ما للعدد وما للتعدّد؟
الذين يرفعون "السلاح" فوق كل قانون لا يمكنهم التفكير لا بـ"الديموقراطية العددية" ولا بـ"الديموقراطية التعددية" إلا كأشباح يوجّهونها ضدّ الفكرة الديموقراطية في أبسط معانيها، من حيث هي فكرة توفيقية في الأساس بين العدد والتعدد. كل ذلك يعيد التذكير بالبعد "الثقافيّ" للصراع الحاليّ: إذا كان ثمة فريق يطرح نفسه كحركة مضادة للدستور الحاليّ، فلا يمكن للفريق المدافع عن الدستور أن يكتفي بالدفاع عن الدستور الحاليّ، وإنّما ينبغي أن يطرح نفسه كنصير للفكرة الدستورية بالمطلق في وجه من يعادي الفكرة الدستورية بالمطلق. فالحركة المعادية للدستور الحالي ليست إلا حركة رافضة لكل دسترة.




















