فزّاعة حروب بوتين تطل برأسها هذه الأيام من إفريقيا ووسط أوروبا في آن واحد. وفي القارتين يحبس الغرب أنفاسه وهو يشاهد المظاهرات في عاصمة النيجر ترفع صور بوتين وتهتف بحياته، وينصت في بيلوروسيا إلى ديكتاتورها لوكاشنكو يهدد يإفلات مرتزقة بوتين “فاغنر” في “نزهة” نحو بولونيا والغرب. وفي الحالتين يبدو بوتين منسجماً مع نفسه. فالبعض يرى أنه حين يعجز بوتين عن تحقيق الهدف المرسوم، يقفز إلى هدف آخر أكثر إستفزازاً وتحدياً للغرب والعالم. فحين عجز العام 2014 عن إحتلال الدونباس شرق أوكرانيا وتحولت الحرب إلى معارك إستنزاف، قفز إلى سوريا ليفتح جبهة أخرى مع الغرب.
الآن، وبعد أن تحولت الحرب الأوكرانية إلى “حرب إستنزاف”، قفز بوتين إلى إفريقيا وفتح جبهة مع فرنسا والغرب مباشرة، ويسـتعد لفتح جبهة في الغرب مع بولونيا والناتو بعد إنضمام فنلندا وقرب إلتحاق السويد به. وأطلق الإعلام الروسي في الأيام الأخيرة حملة بروباغندا واسعة تسترسل في وصف إستفزازات بولونيا والمخاطر على أمن روسيا التي يحملها توسع الناتو إلى حدودها. ولتأكيد ما تذهب إليه هذه الحملة، أعلن وزير الدفاع الروسي في 9 الجاري عن إحياء منطقتي “لينينغراد وموسكو” العسكريتين على الإتجاه الشمالي الغربي.
موقع fontanka الروسي الذي يصدر في بطرسبورغ نقل في 9 الجاري عن وزير الدفاع سيرغي شويغو حديثه عن التهديد الحربي في شمال غرب روسيا بسبب إنضمام فنلندا إلى الناتو. وأشار شويغو إلى أن حدود روسيا البرية مع بلدان الناتو تضاعفت مرتين تقريباً بعد إنضمام فنلندا. وقال بوجود إمكانية أن ينشر الناتو وحدات عسكرية إضافية على الأراضي الفنلندية وأسلحة ضاربة قادرة على إصابة أهداف حرجة في شمال غرب روسيا.
وفي التصريح عينه تحدث شويغو عن “عسكرة بولونيا” التي تحولت إلى “الأداة الرئيسية لسياسة الولايات المتحدة ضد روسيا”، حيث أنها تشتري السلاح من الولايات المتحدة، بريطانيا وكوريا الجنوبية. كما أكد وجود خطط لإنشاء وحدة بولونية أوكرانية نظامية، “ظاهرياً لضمان أمن غرب أوكرانيا”، لكنها في الواقع لإحتلال هذه المنطقة لاحقاً.
في نقله لتصريح شويغو قال موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW بأن الوزير سبق أن تحدث في نهاية العام المنصرم عن إحياء المنطقتين العسكريتين المذكورتين. وأشار الموقع إلى أن وزارة الدفاع الروسية أعلنت مطلع السنة الجارية أن الوزير عقد إجتماعاً ناقش القضايا المتعلقة برفع عديد القوات المسلحة إلى 1,5عسكري. كما تم الإعلان حينها عن تغييرات واسعة في تكوين القوات المسلحة في الفترة 2023-2026.
ونقل الموقع عن شويغو بالإجتماع عينه في 9 الجاري قوله بوجود ” مخاطر جدية لمزيد من تصعيد الصراع ” بسبب إستعداد البلدان الغربية لتوظيف موارد كبيرة في أوكرانيا. ومن دون أن يحدد شويغو ما إن كان يتحدث عن الصراع المباشر مع أوكرانيا أم الصراع مع الغرب، قال بأن بلدان الناتو تنشط في مناقشة مسألة تزويد أوكرانيا بمقاتلات F-16 التكتيكية.
مواقع الإعلام الروسية ركزت على تسلح بولونيا، وناقشت جدية خطر غزوها بيلاروسيا التي تشكل مع روسيا ما يسمى “الدولة الإتحادية”. وكما يظهر كلام وزير الدفاع، تعتبر روسيا أن خطر بولونيا على بيلوروسيا هو خطر مباشر على الأمن الروسي.
صحيفة MK الروسية المخضرمة نشرت في 10 الجاري مقابلة مع النائب الأول لرئيس لجنة البرلمان الروسي (الدوما) لشؤون الجمهوريات السوفياتية السابقة كونستانتين زاتولين. استهلت الصحيفة نصها بتصريح وزير الدفاع البولوني عن عزم بلاده نشر 10 آلاف عسكري على الحدود مع بيلوروسيا. ناقش زاتولين واقعية غزو بولونيا لبيلاروسيا، واستبعد أن يكون بوسع بولونيا إتخاذ مثل هذا القرار منفردة. وقال بأنه على الرغم من كل تبجح البولونيين وكراهيتهم لروسيا، إلا أنهم يدركون أن غزو أراضي بيلوروسيا هو بمثابة غزو لأراضي روسيا.
يشير زاتولين إلى وصول روسيا إلى جوار كييف في بداية الغزو، ويقول بأن وجود “فاغنر” في بيلوروسيا الآن يثير مخاوف الغرب من أن يتكرر الأمر ثانية. وبينما أوكرانيا غارقة في “هجومها المضاد”، رأى أن بوسع روسيا توجيه ضربة إلى جوار كييف من جهة بيلوروسيا تشل قدرة أوكرانيا على مواصلة المقاومة. ولهذا يعتبر أن الأوكران يهولون على روسيا بحشد قوات قرب بيلوروسيا بغية ضمان جانبهم في حال تنشيط روسيا وبيلوروسيا عملياتهما على هذا الإتجاه.
لا يؤكد الرجل وجود خطة للهجوم على أوكرانيا من بيلوروسيا، لكنه يرى أن من صالح روسيا التلويح دائماً بمثل هذا الإحتمال.
يفترض بعض الخبراء بأن الغرب قد يرمي بولونيا في آتون الحرب، ويتركها وحيدة إذا أقدمت على غزو بيلوروسيا، بل ويصورها بأنها لا تقدم على ذلك بوصفها عضواً في الناتو. يقول زاتولين بأنه يمكن لأي كان تصوير بولونيا بأنها تعمل منفردة، لكن روسيا ستعتبرها مدعومة من الولايات المتحدة والناتو، وستنظر إليهما كشريكين في العمليات الحربية مباشرة.
أحد أبرز مواقع البروباغندا الروسية وأكثرها إلتزاماً بما يريد الكرملين أن يصدقه من رواياته جمهور التلفزة الرسمية الروسية Life.ru، تمسك بمقولة شويغو عن الوحدة البولونية الأوكرانية بأنها ترمي إلى ضم أوكرانيا الغربية الموكلة بالدفاع عنها. وسع الموقع هذه المقولة التي رددتها مواقع إعلام الكرملين، وجعل الوحدة المشتركة تلك أداة بولونيا لضم كل أوكرانيا بعد تعثر جيشها. فقد نشر في 11 الجاري نصاً بعنوان “التدخل البولوني: متى يبدأ وكيف سيجري”، وأرفقه بآخر ثانوي “إستعداد وارسو يتخذ شكل وحدة لإحتلال أوكرانيا في حالة حدوث إنهيار في الجبهة ومزيد من الإخفاقات واسعة النطاق للقوات المسلحة الأوكرانية”. يقول الموقع بأن وارسو تعمل على جبهتين: حشد القوات على الحدود مع بيلوروسيا وجمع التشكيلات العسكرية لغزو أوكرانيا. وفي الوقت عينه، يدعم نظام كييف ضمنيًا هذه الخطط، ويساوم في الكواليس لتأمين فترة إنتقالية للتنحي عن السلطة.
يذكّر الموقع بما ورد في تصريح شويغو من أن البولونيين يسعون لبناء أقوى جيش في القارة الأوروبية. كما يذكّر بالأرقام التي ذكرها الوزير من أن القوات البولونية والأوروبية الشرقية المحتشدة الآن على حدود بيلوروسيا يبلغ تعدادها 360.000 عسكري. وتملك هذه القوات 8000 مدرعة، 6000 جهاز مدفعي وهاون و650 طائرة ومروحية. وتعداد قوات دول الناتو غير الإقليمية إرتفع 2,5 مرة منذ شباط/فبراير العام الماضي، ويتجاوز الآن 30.000 عسكري.
يتحدث الموقع عن إشكالات دبلوماسية بين وارسو وكييف، ويقول بأن الأوكران يدركون إلى أين تؤدي هذه الإشكالات. وينقل عن الضابط الروسي المتقاعد فاسيلي دانديكين قوله بأن القيادة الأوكرانية عدلت القوانين الأوكرانية، ومنحت البولونيين جميع الحقوق ما عدا حق الإقتراع. ويقول بأن بولونيا تتحين فرص تدهور وضع القوات الأوكرانية على الجبهة بما لايقاس مع وضعها الراهن لتبدأ تدخلها في أوكرانيا.
ينقل النص عن موقع Modern Diplomacy نشره نهاية العام الماضي مقالاً يفضح نوايا بولونيا، تم حذفه لاحقاً. تقول المطبوعة بأن وارسو أصبحت تملك حقوقاً مميزة في أوكرانيا. فقد حصل البولونيون على إمكانية شغل مقاعد في الحكومة الأوكرانية وممارسة الأعمال التجارية وشراء المعامل الأوكرانية. ومنذ بداية العملية العسكرية الروسية، كان الرئيس البولوني أنجي دودا كثير الزيارات للرئيس زيلينسكي، ويبدو أن القرارات التاريخية كانت تقر حينها.
“المدن”


























