مهم جداً في هذا العالم المتعدد القطب، إنقاذ ماء الوجه. أهم منه مراعاة شعور المارد الأوحد فيه، مهما كبرت مسؤوليته في الأزمة المالية الأخيرة. زعماؤه صفقوا، باستثناء قلة منهم، لما تمخضت عنه «قمة العشرين» في واشنطن. عموميتها لم تحُل دون «ارتياحهم» لنتائجها الغامضة. أعطت أقصى ما يمكنها في هذا الوقت الحَرج: الرئيس الأميركي جورج بوش يغادر البيت الأبيض بعد شهرين. لن يقبل بقرارات تحرج الغائب الأكبر، الرئيس المنتخب… حتى لو كان ديموقراطياً!
فلتأخذ قمة واشنطن حقها: إنها خطوة أولى نحو مسؤولية جماعية للتعامل مع اختلالات الاقتصاد العالمي. حدّدت موضع الألم لكن لا دواء قبل الربيع، ربما. أعادت التأكيد على توافق «مبدئي» لإطلاق إصلاحات مالية. وسّعت دائرة أعضائها: عشرون بدلاً من ثمانية، تمثل اقتصاداتهم 85 في المئة من الناتج العالمي. ضمت اليها، للمرة الأولى، بلداً عربياً له ثقله الدولي: المملكة العربية السعودية. أنتجت موقفاً أوروبيا موحداً تجاه الأزمة. سلمت بضرورة ان يكون للاقتصادات الناشئة والنامية، وحتى الفقيرة، دور أكبر في المستقبل. (التجربة أظهرت ان الأزمات الكبرى تنتج قرارات كبرى، تبقى في غالبيتها حبراً على ورق). أوصت وزراء المال بصياغة «مقترحات» في نحو خمسة مجالات. هدفها وضع أسواق المال وما له علاقة بها، تحت المجهر. لم تحدد وسائل.
الأسواق مرآة الثقة في الاقتصاد. تعكس صحة الأوضاع المالية. ردة فعلها سريعة. لم تتأثر بتصريحات زعماء الدول العشرين. أكملت طريقها بوحي من وضع متأزم، في ما يشبه «مقبرة المؤشرات». شرقاً غرباً شمالاً وجنوباً. لا تقنعها التصريحات مهما أمعنت في التفاؤل. لا قيمة للنسب المئوية في التراجع اليومي، ولا للجغرافيا. العالم ملعب واسع: يخطئ اللاعبون فتنهار اللعبة، مهما بعدت من مركز الخلل. وحدها القرارات الواضحة والصارمة تفعل فعلها، والأسواق تستجيب.
لكنها لم تفعل. نام العالم على «بريتون وودز» جديد، وأفاق على وعود «نَيسانية». كان يمكن للأفكار الفرنسية مثلاً ان تحدث فارقاً. فشل الرئيس نيكولا ساركوزي في إقناع شركائه بقرار فاعل: رقيب دولي مالي يعطى صلاحيات واسعة. لم يفلح، حتى بدعم من دول أخرى من بينها بريطانيا، في إقناع شركائه باستنباط نسخة منقحة عن المؤتمر الشهير. اتفاقات 1944 أنتجت البنك الدولي وصندوق النقد. استيحاؤها يدخل عليهما إصلاحات ويعيد اليهما بعضاً من دور فقداه خلال العقد الأخير: دعم النمو وإنقاذ العملات من الانهيار.
سقوط مؤسسات مال ضخمة وانهيار الأسواق، صدمة لا يوازيها الا الزلزال الكبير في عشرينات القرن الماضي. الخروج منها يتطلب صدمة مضادة في مستواها. او بداية صدمة. بعيداً من المعجزات وضمن واقع ممكن. لا أحد يعتقد أن أزمة نَمَت نتيجة لأخطاء تراكمت خلال عقود، يمكن حلها في نصف نهار. لكن الصدمة المطلوبة كانت ممكنة في هذه المدة القصيرة. تكون بداية «على الأرض» لحل ممكن، لا تلجمه اعتبارات سياسية. حتى لا يحصل ما حصل أواسط العقد الماضي. التوافق حينها على هيكلة مالية دولية جديدة، لم ينتج إلا إجراءات فردية: تكديس احتياطات من العملات، أظهر فاعلية محدودة.
النتائج شبه العامة للقمة، توقعتها دول ناشئة تطالب بدور اكبر في صندوق النقد ومؤسسات دولية أخرى. الرئيس البرازيلي استشعر نتائجها مسبقاً. لم يتوقع منها قرارات»جريئة»، تكون الترياق في مثل هذه الهزات. أهمها مثلاً تنظيم جديد لصندوق النقد. يكون فيه للدول الناشئة والنامية كلمة. شروطه للتدخل محض اقتصادية. لا مكان للسياسة فيها. فمفارقة غريبة ان تُطالَب دول كالسعودية ودول نفط أخرى، والهند والصين وغيرها مثلاً، بضخ أموال لتعويمه، وتُستبعد من مراكز القرار فيه. وعجيب ان تكون دول كبرى، من بينها أميركا، وفرنسا وبريطانيا، عقبة في اتخاذ هذا القرار التاريخي، خصوصاً ان الدولتين الأوروبيتين شكلتا رأس حربة في المطالبة بإصلاحات جوهرية.
السياسة أمّ الحواجز. التضحيات في سبيلها لا تحصى، ولا الخسائر. ومهما كانت القرارات الاقتصادية تاريخية، تبقى منقوصة لاعتبارات تتعلق بها. هكذا تعلمنا من التاريخ. هذا ما رأيناه من الأزمات. انتقاد «الجنات الضريبية» ومؤسسات التقويم ضروري لكن لا يحل المشكلة. يندرج في إطار خطة شاملة قابلة للتطبيق.
الأزمة الحالية غير سابقاتها. أمور كثيرة تغيرت. ظهرت قيادات يحسب لها. اقتصادات ضخمة غيرت الموازين المالية. تَعدُّد الأقطاب رسم خريطة جديدة لاقتصادات الغد. المشاكل البيئية فاقمت الأزمة. الموارد المتجددة لا تكفي في الوقت الحاضر، وغير المتجددة لن تدوم. الحلول اللازمة تختلف عما عرفناه في السابق. الخطة المطلوبة يلزمها بعض التنازلات وكثير من الجرأة والابتكار. من الصعب توافرها قبل حلول الربيع.
"الحياة"




















