تتحمّل المدن الوطأة العظمى للانهيارات المالية والموجات الإجرامية والأزمات المناخية في العالم كما لن تفعل الحكومات أبداً. وهكذا عندما تعاونت مجلة "فورين بوليسي" وشركة "أي تي كيرني" الاستشارية للإدارة العالمية و"مجلس شيكاغو للشؤون العالمية" لقياس العولمة حول العالم، ركّزنا على المدن الستين التي تصوغ حياتنا أكثر من سواها.
ربما تصوغ الحكومات الوطنية الخطوط العريضة للعولمة، لكن أين تدور العولمة فعلاً؟ أين تكون نجاحات العولمة وإخفاقاتها الأكثر حدّة؟ وهل من مكان آخر غير المدن التي يختار معظم البشرية الآن أن يعيش ويعمل فيها. تساعد المدن الأكبر والأكثر ترابطاً في العالم على وضع الأجندات العالمية، وتحديد المخاطر المناخية العابرة للأوطان، وهي بمثابة محطات للاندماج العالمي. إنها محرّكات النمو لبلادها والبوّابات لبلوغ الموارد في مناطقها. قصة العولمة هي من نواحٍ عدّة قصة التمدين.
لكن ما الذي يصنع "مدينة عالمية"؟ بالنسبة إلى العارفين، تستحضر العبارة في ذاتها إلى الذهن مركز القيادة. فهي تعني السلطة والتطوّر والثروة والنفوذ. أن تصنّف مدينتك في خانة المدن العالمية يعني أن أفكار هذه المتروبوليس وقيمها تصوغ العالم. وهذا صحيح إلى حد كبير. فالمدن التي تضم أكبر أسواق الرساميل، وجامعات النخبة، والشعوب الأكثر تنوّعاً وثقافة، والشركات المتعدّدة الجنسية الأكثر ثراء، والمنظمات الدولية الأشد تأثيراً، مرتبطة بباقي العالم أكثر من أي مكان آخر. لكن أكثر من أي شيء آخر، المدن التي تتصدّر اللائحة هي تلك التي لا تزال تبني روابط عالمية على الرغم من المناخات الاقتصادية المعقّدة للغاية. إنها المدن التي تفيد من التمدين وتجعله يصب لمصلحتها عبر توفير فرص الاندماج العالمي الواسعة لشعوبها؛ يسمح قياس الوجود العالمي للمدن بالحصول على الصورة الأدق عن طريقة سير العالم.
وهكذا تعاونت مجلة "فورين بوليسي" مع شركة "أي تي كيرني" الاستشارية و"مجلس شيكاغو للشؤون العالمية" من أجل وضع مؤشر المدن العالمية، وهو تصنيف شامل بصورة فريدة من نوعها للطرق التي تندمج بها المدن مع باقي العالم. وبغية وضع هذا المؤشر عن المدن الأكثر عالمية، جمعنا مجموعة واسعة من البيانات وحلّلناها، كما استعنّا بالطاقات الفكرية لخبراء معروفين في شؤون المدن مثل ساسكيا ساسن وويتولد ريبجينسكي وجانيت أبو-لوغود وبيتر تايلور.
وتحديداً، يصنّف مؤشر المدن العالمية المناطق المتروبوليتية في المدن بحسب 24 مقياساً موزّعة على خمسة أبعاد. البعد الأول هو النشاط في مجال الأعمال بما في ذلك قيمة أسواق الرساميل وعدد الشركات الواردة على لائحة "فورتشن غلوبال" لأول خمسمئة شركة تتخذ من تلك المدن مقراً لها، وحجم السلع التي تمرّ عبر المدينة. ويقيس البعد الثاني رأس المال البشري أو إلى أي درجة المدينة هي عنصر استقطاب لمجموعات متنوّعة من الأشخاص والمواهب. ويشمل ذلك حجم المهاجرين في المدينة، وعدد المدارس الدولية، والنسبة المئوية للسكان الذين يحملون شهادات جامعية. ويتعلّق البعد الثالث بتبادل المعلومات – مدى انتشار الأخبار والمعلومات عن باقي العالم، ومدى وصول الأخبار والمعلومات إلى باقي العالم. ويُقاس هذا البعد بحسب عدد مكاتب الأنباء الدولية، وكمية الأنباء الدولية في الصحف المحلية الكبرى، وعدد المشتركين في الإنترنت.
أما البعدان الأخيران في التحليل فهما غير مألوفين في معظم التصنيفات للمدن أو الدول المعولمة. البعد الرابع هو التجربة الثقافية أو مستوى عناصر الاستقطاب المتنوّعة للمقيمين الدوليين والمسافرين. ويشمل ذلك كل شيء من عدد الأحداث الرياضية الكبرى التي تستضيفها المدينة وصولاً إلى عدد الأماكن المخصّصة لفنون الأداء. ويقيس البعد الأخير – الانخراط السياسي – درجة تأثير المدينة في صنع السياسات والحوار على الصعيد العالمي. كيف ذلك؟ عبر التوقّف عند عدد السفارات والقنصليات ومراكز الدراسات والأبحاث الكبرى والمنظمات الدولية وعلاقات التوأمة مع المدن الأخرى والمؤتمرات الدولية التي تستضيفها المدينة. تعلّمنا منذ وقت طويل أن العولمة هي أكثر بكثير من مجرّد خفض حواجز السوق والجدران الاقتصادية. وبما أن مؤشر المدن العالمية يأخذ في الاعتبار المقاييس الثقافية والاجتماعية والمتعلقة بالسياسات، فهو يقدّم صورة أكثر اكتمالاً عن المكانة العالمية للمدينة – وليس فقط روابطها الاقتصادية أو المالية.
تجسّد المدن الستون الواردة في مؤشر المدن العالمية الأولى المجموعة الكاملة للتجربة المدينية الحديثة. هناك لندن المزدهرة والثرية مع شبكتها العالمية الراسخة بقوة والمبنيّة على تاريخ المدينة كعاصمة لأمبراطورية. لكن هناك أيضاً شونغكينغ (الصين) وداكا (عاصمة بنغلاديش) ولاغوس (نيجيريا)، وهي مدن يخبرنا صعودها الأخير الكثير عن الاتجاه الذي تسلكه العولمة وتقدّم تجاربها دروساً لمدن أخرى تطمح إلى أن تكون عالمية. والمدن التي نسلّط الضوء عليها رائدة عالمياً في مجالات مهمة مثل المالية وصنع السياسات والثقافة. وعدد قليل منها عبارة عن مدن كبيرة جداً في العالم النامي تعني حاجتها إلى الموارد أن عليها إقامة علاقات وثيقة مع جيرانها وتأمين خدمات لأعداد كبيرة من المهاجرين. بعض المدن عبارة عن بوابات لمنطقتها. ويضم بعضها الآخر مؤسسات دولية مهمة. بعبارة أخرى، تمثّل هذه المدن عيّنة كبيرة من مراكز التجارة والثقافة والتواصل في العالم.
دائرة الفائزين
إذاً ما هي المدينة التي احتلّت المرتبة الأولى؟ في الواقع، تثبت النتائج أنه لا وجود لمدينة عالمية مثالية؛ لم تحتل مدينة واحدة الصدارة في كل أبعاد المؤشر. غير أن قلة اقتربت من تحقيق ذلك. وقد برزت نيويورك المدينة العالمية الأولى هذه السنة تتبعها لندن وباريس وطوكيو. لقد هزمت "التفاحة الكبيرة" مراكز النفوذ العالمية الأخرى ولا سيما بالاستناد إلى أسواقها المالية ومن خلال شبكات شركاتها المتعددة الجنسية وبحكم قوة طبقتها المبدعة المتنوّعة. وقد فازت الوصيفة الأولى في المؤشر الإجمالي، لندن، في البعد الثقافي متقدّمة بأشواط كبيرة على باريس ونيويورك. ولعل المفاجئ بالنسبة إلى مدينة معروفة بالمتاحف أكثر منها بالـ"موديم"، هو أن باريس التي احتلت المرتبة الثالثة في المؤشر تصدّرت العالم في فئة تبادل المعلومات. واحتلّت طوكيو المرتبة الرابعة بفضل أدائها القوي في مجال الأعمال. وعلى الرغم من أن واشنطن احتلت المرتبة الحادية عشرة في التصنيف الإجمالي، إلا أنها تقدّمت على نيويورك وبروكسل وباريس بكل سهولة في قيادة السياسة العالمية.
ومع أن المنافسة تحتدم عادة بين الأوائل، هناك عدد كبير من المنافسين الجدد في أعقابهم. فقد احتلّت هونغ كونغ وسنغافورة بفعل روابطهما المالية القوية، المرتبتَين الخامسة والسابعة على التوالي. واحتلّت شيكاغو المرتبة الثامنة بفضل أدائها القوي في مجال رأس المال البشري. وأكثر من ذلك، تبرز مدن عدّة ذات أداء قوي بعدما كانت مجتمعات منغلقة في السابق مثل بيجينغ (المرتبة 12) وموسكو (19) وشنغهاي (20) ودبي (27). تسلك هذه المدن مسارات جديدة ومختصرة أحياناً وبقيادة الدول في معظم الأحيان من أجل تحقيق السيطرة العالمية، مما يهدّد الصيغ القديمة التي انتهجتها لندن ونيويورك ولوس أنجلس (المرتبة السادسة) لبلوغ مراتبها العالية.
على الرغم من تنوّعها، للمدن العالمية الأكثر نجاحاً العديد من القواسم المشتركة: فكما تثبت نيويورك، المدن العالمية هي تلك التي تتفوّق في أبعاد متعدّدة. حتى النمو الاقتصادي السنوي الكبير الذي تسجّله شنغهاي منذ عقود ويصل إلى مستوى الرقم المزدوج لا يستطيع وحده أن يجعلها مدينة عالمية. فعلى المدينة أيضاً أن تقرّر ما هو السبيل لاستعمال تلك الثروة من أجل التأثير في السياسة، واستقطاب ألمع الأدمغة الشابة، ونقل أخبار باقي العالم بدقة لمواطنيها. تتكيّف المدن العالمية باستمرار مع الظروف المتغيِّرة. قد تكون لندن المدينة الأكثر تضرراً من أزمة القروض العالمية، لكن على الأرجح أنها سوف تستخدم روابطها المالية العالمية الكثيرة من أجل النهوض من جديد. ولا شك في أن سنغافورة وسان فرانسيكسو (15) ومدينة مكسيكو (25) ستراقب عن كثب.
في الوقت الذي يتأقلم فيه العالم من جديد مع نوبات اقتصاد عالمي متقلّب، وكذلك مع مشكلات أخرى عابرة للأوطان مثل التغير المناخي والاتجار بالبشر والنقص في الوقود، سوف يرصد مؤشر المدن العالمية كيف تتدبّر المدن أمورها بينما ينمو سكّانها ويتقلّص العالم. على الرغم من أننا لا نستطيع توقّع اسم المدينة الفائزة العام المقبل، إلا أن الاحتمال كبير بأنه سوف يكون على نيويورك أن تكافح للبقاء في الصدارة.
عن مجلة "فورين بوليسي"
ترجمة نسرين ناضر
• راجع مقال جهاد الزين: "دونيات بيروت" في التعليق على هذا الموضوع في "قضايا النهار" 20/11/2008 وفي صفحة "مقالات" على موقع "النهار" الالكتروني اليوم.
أفضل المدن للحصول على شهادة
1- لندن 2- شيكاغو، 3- طوكيو، 4- نيويورك، 5- سنغافورة، 6- سيدني، 7- بوسطن، 8- لوس انجلس، 9- باريس، 10- سان فرانسيسكو. 11- اسطنبول، 12- بانغوك، 13- توروتنو، 14- مدريد، 15- موسكو، 16- زوريخ، 17- بيجينغ، 18 – بوينس ايرس، 19- مدينة مكسيكو، 20- واشنطن.
أفضل المدن للحصول على بعض الثقافة
1- لندن، 2- باريس، 3- نيويورك، 4- تورنتو، 5- لوس انجلس، 6- موسكو، 7- طوكيو، 8- برلين، 9- مدينة مكسيكو، 10- سيول، 11- فيينا، 12- امستردام، 13- فرانكفورت، 14- واشنطن، 15- روما، 16- ستوكهولم، 17- تل ابيب، 18- ميونخ، 19- بيجينغ، 20- شيكاغو.
أفضل المدن للقيام بالأعمال
1- نيويورك، 2- طوكيو، 3- باريس، 4- لندن، 5- هونغ كونغ، 6- سنغافورة، 7- سيول، 8- شنغهاي، 9- بيجينغ، 10- امستردام، 11- فرانكفورت، 12- شيكاغو، 13- فيينا، 14- مدريد، 15- لوس انجلس، 16- ساو باولو، 17- بانغوك، 18- بروكسل، 19- تايباي، 20- سيدني.
افضل المدن لممارسة العمل الديبلوماسي
1- واشنطن، 2- نيويورك، 3- بروكسل، 4- باريس، 5- لندن، 6- طوكيو، 7- بيجينغ، 8- اسطنبول، 9- فيينا، 10- القاهرة، 11- مدينة مكسيكو، 12- بوينس ايرس، 13- بانغوك، 14- برلين، 15- تايباي، 16- سنغافورة، 17- لوس انجلس، 18- شنغهاي، 19- سيول، 20- شيكاغو.
"النهار"




















