نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده بول سون وفاليري هوبكنز، قالا فيه إن مجموعة فاغنر للمرتزقة، تجد نفسها بدون قائد وتواجه مستقبلا غامضا. وأضاف الكاتبان أن الكرملين سيجد صعوبة في تحييد فاغنر، وفي نفس الوقت، الحفاظ على قوتها القتالية، واستمرار التأثير الجيوسياسي، وذلك في أعقاب تأكيد مقتل زعيمها يفغيني بريغوجين.
وقالا: “زعيمها ميت، وكذا قائدها العسكري، فيما يزعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنها ليست موجودة”. وأوضح الكاتبان: “فاغنر، الشركة العسكرية الخاصة التي كانت قوية، لم تعد مقربة من الكرملين بعد التمرد الفاشل في حزيران/ يونيو، وبات وضعها غير معروف بعد موت بريغوجين في حادث تحطم طائرة”.
ويقول المسؤولون الأمريكيون والغربيون، إن الكرملين يفكر بوضع فاغنر تحت السيطرة المباشرة للدولة الروسية، لكنه لم يتخذ بعد القرار النهائي بشأن ما يجب عمله بالمجموعة. ومن غير المرجح أن تقوم روسيا بخسارة المقاتلين المدربين والتقدم في مجال التأثير الجيوسياسي والمصالح الاقتصادية التي أنشأها بريغوجين منذ تأسيس فاغنر عام 2014. ولدى المجموعة مصالح في 10 دول على الأقل. إلا أن البحث عن طرق لتحييد المنظمة العسكرية التي شكلت أكبر تهديد لبوتين في حكمه الذي مضى عليه 23 عاما، والحفاظ على صلاتها الدولية، ستكون مهمة صعبة، خاصة في ظل العداء المستحكم بين القوة القتالية للمجموعة، والقيادة بوزارة الدفاع الروسية.
ونقلت عن ألكسندر بوروداي، عضو البرلمان الروسي والذي عمل بشكل وجيز كزعيم وكيل في دونيتسك بأوكرانيا عام 2014، قوله: “أعتقد أن فاغنر كبنية شركة عسكرية خاصة لن تبقى”، مضيفا أن مقاتلي فاغنر سيواصلون القتال، حيث انضموا لتشكيلات المتطوعين وكذا الوحدات الرسمية بالقوات المسلحة الروسية. وقال: “هناك الكثيرون منهم.. التدفق كبير، ولم يبدأ أمس ولن ينتهي غدا. والناس يأتون وسيستمرون في القتال ولديهم خبرة”. و”فيما يتعلق بمستقبل الشركة، فإنني لا أعرف.. ربما لن يكون هناك مستقبل”.
وتضيف الصحيفة أن بوتين أرسل عددا من الرسائل الغامضة بشأن خططه. وفي لقاء بالكرملين بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، أخبر بوتين قادة فاغنر أنه يمكنهم مواصلة الخدمة تحت قيادة مختلفة، حسبما قال لصحيفة “كوميرسانت”. وتذكر بوتين كيف اقترح على القادة العمل تحت قائد سابق في فاغنر، ومعترف به من الكرملين، ويستخدم اسما مستعارا وهو “غري هير” (صاحب الشعر الرمادي)، وقال بوتين إن بريغوجين رفض نيابة عن قادته، مع أنهم هزوا رؤوسهم موافقين. وأضاف بوتين في نفس المقابلة، إن فاغنر ليست موجودة لأن القانون الروسي لا يسمح بإنشاء الشركات العسكرية الخاصة.
وجاءت تصريحات المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، متوافقة مع كلام بوتين، والتي تظهر أن الشركة لا مستقبل لها في روسيا.
ومن الناحية النظرية، قد تواصل فاغنر العمل بدون بريغوجين، وأحد مؤسسيها ديمتري أوتكين، الذي أكدت السلطات الروسية أنه من ضمن الذين كانوا على متن الطائرة ، مع خمسة ركاب آخرين لهم علاقة بفاغنر، إلى جانب طاقم الطائرى المكون من ثلاثة أشخاص.
وبحسب القناة التابعة للشركة على منصة “تلغرام” فهناك ما يسمى “مجلس القادة” الذي يشرف على العمليات اليومية، وهناك سبعة منهم لم يكونوا على متن طائرة بريغوجين. ومنذ تحطم الطائرة، لم يظهر أي من القادة الباقين علنا، ولا أصدروا بيانات، رغم الإعلانات المتكررة من القنوات التابعة لفاغنر على تلغرام، والتي وعدت ببيانات جديدة.
ولا يُعرف إن كان لدى هؤلاء القادة الرأس مال السياسي لقيادة عمليات الشركة، في وقت تحاول النخبة الروسية التكالب على أرصدة بريغوجين المربحة. وقال مقاتلون ذهبوا إلى نصب تذكاري مؤقت بالساحة الحمراء لقائدهم القتيل، إن شركتهم ستستمر بالتأكيد. وقال متطوع عمره 36 عاما، إن “أوتكين وبريغوجين ليسا كل القيادة.. لو كنت تعرف البنية الداخلية لفاغنر، لفهمت شيئا واحدا: خسارة واحد، اثنين أو ثلاثة لن تؤثر على فاعلية التشكيل بأي حال”.
لكن بدون رخصة من الكرملين، فهناك مخاطر من تداعي عمليات الكرملين، فعلاقة بريغوجين مع بوتين تعود إلى سنوات التسعينات من القرن الماضي في سانت بطرسبرغ. وكانت روسيا بمثابة بطاقة التعريف في الخارج، وسمحت له بالتدخل في القوى الجيوسياسية والخدمات الأمنية في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وغيرها.
وواصل بريغوجين بعد محاولة الانقلاب إدارة المصالح المالية للشركة، حيث سافر إلى دول أفريقيا، وطمأن قادة تلك الدول، حيث تنوعت اهتماماته من النفط إلى الغاز والجواهر الثمينة والأحجار الكريمة.
وقال بوتين إن بريغوجين كان على حد علمه في أفريقيا قبل أن يركب الطائرة المنكوبة. وجاءت أسفاره وسط تقارير عن محاولات وزارة الدفاع السيطرة على مصالح الشركة بالخارج. وتقول كاترينا دوكسي، الزميلة في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، إن النموذج الذي طوّره بريغوجين سيتواصل بطريقة أو بأخرى، أي استخدام المنظمة العابرة للدول، في تقوية المصالح الدولية، وعقد صفقات تجارية، مع أنها تشك بأن العمليات في المستقبل ستكون هشة.
من جانب آخر، سيتأكد بوتين من عدم وجود العلاقة العدائية التي حملها بريغوجين ضد قادة وزارة الدفاع. وقال ألكيسي فينديكتوف، الذي كان يدير محطة “إيكو” الإذاعية حتى إغلاقها، إن الأحداث الأخيرة هي “رد مهم ضد النخبة العسكرية”، ويريد بوتين القول لها: “أنتم أهم شيء لي، واعتقدتم أنني سأترك هذا الرجل يمزقكم، لا… أنا القائد الأعلى وأنتم الجنود المطيعون”.
“القدس العربي”


























