ترتكز السياسة الخارجية لدولة من الدول على قاعدتين أساسيتين، هما الأمن والمصالح الوطنية. لذلك تهدف هذه السياسة، في الأحوال الطبيعية، إلى الحفاظ على السيادة والاستقلال، والأمن القومي والمصالح الاقتصادية التي تقود إلى الارتقاء والتقدم، وتوفير القدرة على الحركة والتأثير في المجال الحيوي للدولة، أي امتلاك وسائل ومقومات الفعل في المحيط الإقليمي والعلاقات الدولية.
شكلت السياسة الخارجية السورية، على مدار عقود، أحد أهم مصادر الشرعية للنظام السياسي منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في 8 آذار 1963. لذلك تعتبر عملية مقاربة هذه السياسة، ومرتكزاتها وآلياتها وممارساتها وأهدافها، مسألة في غاية الأهمية، خاصة في الفترة الحالية، مع ازدياد تقلباتها، ووضوح تأثيرها المتزايد على الوضع الداخلي السوري، ومع الإرباكات والاختناقات التي وضعت فيها سورية خلال السنوات الأخيرة جراء هذه السياسة.
تحظى هذه السياسة في الإعلام الرسمي بمديح هائل. فهذا الأخير لا يهدف سوى إلى ستر عورة النظام وعجزه في الداخل عن إنتاج شرعية حقيقية، بالتركيز على ما يسمى "نجاحات" السياسة الخارجية السورية، لكن ليس من الصعب الاكتشاف أن تنقلات هذه السياسة ما بين "الممانعة" المتطرفة والحادة، وما بين البراغماتية الصرفة، غير المستندة إلى مبادئ حقيقية للمصالح الوطنية، هي في المحصلة لا تهدف سوى إلى تثبيت النظام الحاكم.
الأهداف المعلنة والأهداف الخفية
ترنكز السياسة الخارجية في الخطاب العلني إلى عقيدة قومية هدفها التضامن العربي، والسعي لتحقيق الوحدة بين أقطار الوطن العربي، وتجعل من القضية الفلسطينية وبناء توازن استراتيجي شامل مع العدو الإسرائيلي، القضية المركزية. لذلك تقف ضد أي تسوية منفردة يمكن للحركة الفلسطينية أن تعقدها مع إسرائيل، وتأكيد الهوية السورية للجولان المحتل، والسعي نحو تحريره، ودعم المقاومة بكافة الوسائل، وتعميق أواصر العلاقات السورية اللبنانية، ومواجهة مشاريع الإمبريالية في المنطقة، ورفض احتلال العراق.
على أرضية هذه الأهداف المعلنة، قامت هذه السياسة خلال العقود الأخيرة بتوسيع دائرة نفوذها الإقليمي، ومحاولة فرض مواقفها وسياساتها، عبر التدخل السياسي والعسكري، في الشؤون الداخلية للبلدان أو الحركات الوطنية العربية والإقليمية، بدءاً من النزاع العراقي الإيراني، إلى النزاع الكردي التركي، مروراً بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والصراع اللبناني الإسرائيلي، وغيرها.
يحق لأي متابع للسياسة السورية الخارجية، على مدارالعقود الثلاثة المنصرمة، أن يتساءل حول حضور البعد القومي على صعيد الممارسة الواقعية، كمحرك ودافع وهدف لهذه السياسة.
في الحقيقة لم يكن البعد القومي إلا غطاءً لسياسة خارجية محركها الفعلي هو خدمة النظام وتأمين دفاعاته ومصالحه، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية السورية أو المصلحة القومية، أما الأهداف التي حققتها، والاستراتيجيات التي اتبعتها، فلم يكن لها على أرض الواقع أية مكاسب حقيقية للقومية العربية أو التضامن العربي الرسمي أو الشعبي.
في لبنان مثلاً، ارتسمت شخصية الدولة السورية من خلال سياساتها الخارجية هناك، كشخصية مستبدة، قائمة على حكم ضيق ومغلق، ويستند إلى أدوات مخابراتية محضة في الفعل والتأثير، الأمر الذي حول لبنان على مدار ثلاثين عاماً إلى مجرد ملف على جدول السياسة الخارجية والأجهزة الأمنية.
لا ندري أية "مصلحة قومية" يمكن أن يخدم نهج النظام خلال السنوات الثلاث الماضية، ما بعد اغتيال الرئيس الحريري، في تشجيع طرف لبناني ضد طرف آخر، والسكوت عن الدعوة لوحدة اللبنانيين لصالح الدعوة لإسقاط ومحاصرة معارضي سياساتها. ولا ندري أين يكمن المحرك القومي لهذه السياسة، عندما ينتقل خطابها الإعلامي، بين ليلة وضحاها، من خطاب "العلاقات المميزة" بين البلدين، و "وحدة المسار والمصير" و…إلى خطاب "التشكيك" بالخصوم السياسيين والمعارضين، حتى لو كانت سياساتهم من وجهة نظر النظام غير إيجابية.
هنا نتساءل أيضاً: هل استند النظام في اعتقاله للمثقفين السوريين الذين أطلقوا مع أقرانهم اللبنانيين إعلان بيروت- دمشق إلى اعتبارات قومية، وماذا لو كان الأمن السوري مازال موجوداً في لبنان لحظة صدور هذا الإعلان؟. بالتأكيد كان المثقفون اللبنانيون سيلقون مصير أقرانهم السوريين، اعتقالاً أو تسريحاً وظيفياً أو ملاحقةً.
إعلان بيروت-دمشق كان تعبيراً عن قلق المثقفين من خطورة سياسات النظام، وسياسات معارضيه في لبنان أيضاً، على العلاقات بين البلدين والشعبين، التي قد تؤثر سلباً في المدى الأبعد على المصلحة القومية، فيما كان النظام يمارس القومية في الخطاب واللغة والشعارات وحسب.
لا يختلف الوضع في فلسطين. إذ اعتمدت السياسة الخارجية على المحاولة الدائمة لاحتواء النضال الفلسطيني كلية، ودخلت في مواجهات مسلحة مع منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وبسبب عدم قدرتها على الاحتواء سعت إلى تفكيك الصف الفلسطيني، وانحازت بشكل صريح إلى القوى الفلسطينية المعارضة لياسر عرفات، ورعت التنسيق بينها، وحولتها إلى أوراق تضغط بها على خصومها السياسيين، وهو ما أعطاها هامش مناورة كبير في العلاقات الإقليمية والدولية.
جعل النظام من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي غطاء يبرر من خلاله استمرار حالة الطوارئ والأحكام العرفية، في الوقت الذي لم يقدم فيه طوال العقود الثلاث الماضية ما يتناسب مع أهمية هذه القضية، فلا شعار التوازن الاستراتيجي أنجب دفاعات حقيقية إزاء الطائرات الإسرائيلية التي استباحت سماء البلاد مرات عدة، ولا السياسة البراغماتية تمخضت عن تسوية مشرفة وعادلة تعيد الجولان وتحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.
السياسة الخارجية والداخل
يكون صوغ القرارات الخارجية، في الدول الطبيعية، نتيجة أو محصلة ذلك التداخل الواضح بين الديناميات الداخلية والخارجية، لذلك يصح القول أن السياسة الخارجية لدولة من الدول، بمعنى ما، هي امتداد للسياسة الداخلية. هنا نكتشف بوضوح أن سياسة النظام في الداخل السوري، القائمة على البعد الأمني وحسب، قد عكست نفسها، بشكل أو بآخر، في سياسته الخارجية في التعامل مع محيطه.
لذلك يكتسب الإصلاح الداخلي في سورية أهمية مضاعفة، فهو من جهة يساهم في تطوير البنية الداخلية وتماسكها، من خلال بناء دولة ديمقراطية عصرية تقوم على أساس القاون والمؤسسات، واحترام حقوق الإنسان، وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية، ومن جهة ثانية يساهم هذا الإصلاح في نجاح الدولة في رسم سياسة خارجية متميزة وموثوقة، كما يوفر ذلك التأييد الداخلي الضروري لتنفيذ قرارات السياسة الخارجية.
إن عدم الذهاب باتجاه الإصلاح الداخلي لا يبعث على الطمأنينة في السياسة الخارجية السورية، ويولد حالة من عدم الثقة بها، داخل الوطن وخارجه، لدى الأصدقاء والأعداء على السواء، كون هذه السياسة لا ترتكز إلى إجماع وطني في الداخل، بل تنطلق من متطلبات وحاجات ومصالح فئة ضيقة.
كي تكون الدولة جاذبة للاستثمارات الخارجية والأعمال، يجب أن تولد الثقة في نفوس الآخرين، بأنها دولة قانون، ودولة عصرية حديثة، لا دولة للمافيات والنهب والفساد. واليوم ما يمنع السوريين في الخارج، وأصحاب رؤوس الأموال، من العرب والأجانب، من الاستثمار في سورية، هو الخوف على مصالحهم، بحكم أن البلد مجيرة لخدمة مصالح النظام الضيقة، الذي لا يتورع عن القيام بأية ممارسات لا شرعية في سبيل الحفاظ على هذه المصالح. يضاف إلى ذلك أن البيئة الدولية في ظل العولمة أقامت معايير جديدة للاقتصاد الدولي، جعلت فيها رؤوس الأموال تنتقل إلى حيث توجد فرص أوسع للربح، وساعدت على نقل الموارد الاقتصادية إلى حيث تكون كفاءة الاستخدام، وإلى البيئات التي توفر الضمانات القانونية والإدارية الصالحة للاستثمار.
إن وجود دولة وطنية ديمقراطية شرط ضروري لقيام السياسة الخارجية الوطنية، والدولة الوطنية الديمقراطية هي الدولة التي تتوافر فيها سمة عمومية لمؤسساتها، أي هي الدولة التي تكون مؤسساتها، التشريعية والقضائية، مستقلة عن السلطة الحاكمة، وتنطلق من، وتهدف إلى، مصالح الكل الاجتماعي.
قصة النجاحات المعلنة
نجح النظام السوري في تخفيف وتيرة الضغوط الخارجية عليه، عبر استخدامه لعناصر الضغط التي يملكها في الملفات الإقليمية كافة، في لبنان والعراق وفلسطين، وساعده في ذلك وضع سوريا التاريخي والجغرافي، كبلد أساسي في المنطقة ومرتبط بجميع أزماتها وملفاتها، كما ساعده أيضاً فشل الحسابات الأمريكية في المنطقة وانقلابها رأساً على عقب، من خلال عجزها عن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني في العراق.
تلقف الإعلام السوري الرسمي، كعادته، هذا "النجاح"، وعاد لتكرار اسطوانته المشروخة حول الجدارة التي تتمتع بها السياسة الخارجية السورية، وميزاتها وقدراتها التي تستند إلى عامل الوقت وحساب الخطوات وعدم القطيعة مع الأطراف التي تدخل معها في نزاع أو خصام.
من البديهي القول أن لا معنى لنجاح النظام بالمعايير الوطنية والقومية، كون هذا "النجاح" لا ينعكس إيجاباً، سواء على الداخل السوري، أم في المستوى العربي. فالسوريون لا يتلمسون، كالعادة، هذه "النجاحات"، لأنها ببداهة لم تثمر تنمية اقتصادية وتحسناً في أوضاعهم المعيشية، أو توسيعاً لمشاركتهم في الشأن العام، أو نقلاً لأوضاع بلدهم من حال التردي والترهل في المستويات كافة، إلى حال صالحة لاستيعاب أبسط حقوقهم الآدمية.
كما لم تؤد هذه النجاحات المعلنة إلى رفع سوية المناعة الوطنية أمام الاعتداءات الخارجية، فالطائرات الإسرائيلية والأمريكية لا تجد أية صعوبة في دخول الأجواء السورية، وضرب ما تريد أن تضربه، فما هي قيمة هذه "النجاحات" إذا لم تشكل رادعاً للأعداء عن انتهاك السيادة الوطنية ؟!
أما انعكاس هذه "النجاحات" في المستوى العربي، فكان على العموم سلبياً، ولا نستطيع الادعاء بأن علاقات سورية اليوم هي على مايرام مع أشقائها العرب، أو الادعاء أن العمل العربي المشترك بخير، بل على العكس، فهذا العمل أصبح غير موجود، حتى في حدوده الدنيا، بسبب السياسات الضيقة للأنظمة العربية، وما كان يسمى المحور السعودي-السوري-المصري، تعرض للاهتزاز، ولا أحد يستطيع التكهن متى يمكن أن بستعيد عافيته.
نحو إعادة بناء السياسة الخارجية
من منظور المصالح الوطنية السورية
(1)
تعامل النظام السوري طوال عقود مع منظور ضيق للمصلحة الوطنية السورية، واختزلها إلى السعي الدائم لتثبيت دور فاعل للنظام في المحيطين الإقليمي والدولي، عبر امتلاك أوراق عديدة بيده، واللعب في ساحات الآخرين، الأمر الذي يؤهله على الدوام لدفع الضغوط الخارجية عليه من أي لون ومصدر، وكف يدها عن التأثير في الأوضاع الداخلية في سورية، بما يؤثر سلباً على استمراره وقدرته على الإمساك بزمام الأمور.
ربما انطلق النظام في وضع هذه المرتكزات للسياسة الخارجية انطلاقاً من قراءته لأوضاع سوريا في الخمسينيات والستينيات، حين كانت موضوع نزاع دائم بين الدول الأخرى، العربية وغير العربية، الأمر الذي قاد سوريا لوضع اشتهرت به، هو كثرة الانقلابات السياسية، وسرعة تغير الأوضاع الداخلية.
حققت هذه الآلية شكلاً من أشكال "الاستقرار"، لكنه استقرار سلبي، قائم على المحافظة على ركود الحياة السياسية والاقتصادية، وشلل الحياة العامة. إنه استقرار غير منتج للتقدم في أي مستوى، ويضع البلاد في مخاطر عديدة على الدوام، داخلية وخارجية.
صحيح أن هذه السياسات والآليات جعلت النظام قوياً في المحيط الإقليمي، وقادراً على المناورة وتجنب الضغوط الخارجية، لكن هذه القوة غير إيجابية في الداخل السوري، وهي في أحسن أحوالها قوة شكلانية لا تحمي الوطن في حال وجود مخاطر حقيقية. فقوة الأوطان لا تحققها المناورات والتكتيكات الجزئية للسياسة الخارجية، بل تنبع من وجود بناء داخلي راسخ، ويعكس نفسه في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية.
الجانب الأول إذاً في إصلاح مرتكزات السياسة الخارجية، تكون ببنائها على معايير القوة الداخلية، الأمر الذي يعني أولوية الإصلاح الداخلي، وفي المقدمة التغيير الديمقراطي والتحديث الاقتصادي، كيما تعكس السياسة الخارجية وآلياتها حاجات الداخل السوري، ولا تختزل إلى مجرد الإمساك أو اللعب بأوراق معينة بهدف تحقيق الاستقرار السلبي، المعادل لاستمرار النظام وحسب.
معايير القوة الداخلية معروفة، وأصبحت بديهية يدركها القاصي والداني، فالبلد الذي يفتقد لمقومات الحياة السياسية الطبيعية، وتمنع فيه الأحزاب السياسية من لعب دورها، وتحاصر مؤسسات المجتمع المدني، ويزج فيه المعارضون في السجون، وتنعدم فيه فرص التنمية الاقتصادية، وتنهار فيه الآمال أمام الشباب في المستقبل نتيجة الفقر والبطالة، وتترهل مؤسساته الإدارية والقانونية، وتتفاقم فيه التوترات الاجتماعية، وتتراجع إرادة أبنائه في الحياة المشتركة، ويستسلمون إلى حالة من اللامبالاة، أو ينهشهم الخوف من سطوة الأجهزة الأمنية، هذا البلد يصبح مثالاً للفشل العام والعجز وقلة الحيلة، وتصبح سياسته الخارجية بالضرورة فاقدة للقوة المعنوية الضرورية، لكي تكون مصدر ثقة واطمئنان، سواء لأهل البلد أو للرأي العام العالمي أو للمجتمع الدولي، وتفقد بالضرورة أي أمل في استمرارية الحفاظ على المكاسب الاستراتيجية في المحيطين الإقليمي والدولي.
(2)
يتمثل الجانب الثاني في إصلاح السياسة الخارجية في تحسين سمعتها وصورتها لدى المجتمع الدولي، عبر تبديد النظرة المليئة بالريبة تجاهها، كونها أخذت طابعاً متنقلاً وسريعاً ما بين اتجاهات متاقضة، فتبدو أحياناً كسياسة متهورة تفتقر إلى المعايير العقلانية والواقعية، وأحياناً تلهث وراء كسب ود الآخرين بالسبل كافة. تارة تنتحل خطاباً حاداً ومعادياً، ليس فحسب تجاه الولايات المتحدة، إنما تجاه الغرب عموماً، ولا تترك وسيلة، شرعية أو غير شرعية، في التعبير عن ذلك، وتارة أخرى تذهب نحو الميلان بالزاوية التي يريدها الآخرون.
السياسة الخارجية السورية بحاجة إلى تبديد مشاعر القلق إزاءها، كونها سياسة موصوفة بأنها تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها، عبر اللعب في ساحات الآخرين، وتثبيت نفوذها بوسائل لا شرعية أحياناً لدى جيرانها من العرب وغيرهم، وعلى حساب مصالحهم الوطنية، في سبيل دفع الأذى المحتمل على استمرارية النظام.
القيام بدور إيجابي في المحيطين الإقليمي والعربي ينعكس بالضرورة إيجاباً على الداخل السوري، فضلاً عن كونه في محطات كثيرة يمكن أن يكون أيضاً تعبيراً عن سياسة ترتكز حقاً إلى المصالح القومية.
القيام بدور إيجابي في لبنان وفلسطين والعراق هو مصلحة وطنية سورية، فضلاً عن كونه مصلحة قومية عليا. تعزيز الأمن في هذه البلدان يساهم بالتأكيد في ضمان أمن واستقرار سورية، ووقايتها من أي تخلخلات أو ارتكاسات دينية أو مذهبية أو قومية.
الدور الإيجابي في لبنان يكون في الوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف اللبنانية، ودعم الحوار الوطني اللبناني، ووحدة اللبنانيين وتوافقهم، والاعتراف بحق اللبنانيين في اختيار النظام السياسي الذي يريدونه، ودعم منطق الدولة والمؤسسات، والدفع باتجاه وصولهم إلى استراتيجية دفاعية توافقية تضمن قدرة لبنان واللبنانيين على رد الاعتداءات الإسرائيلية المحتملة دون أن تلغي مركزية الدولة.
الدور الإيجابي في لبنان يكون أيضاً بإعادة بناء العلاقات السورية-اللبنانية على أسس التكافؤ والندية والاستقلالية والمصالح المشتركة بين البلدين والشعبين، وتوفير كافة مستلزمات العلاقات الطبيعية بين الدول، والتخلي عن ممارسة الدور الوصائي وآليات الابتزاز والإخضاع والأساليب المافيوية، ووضع لبنان واللبنانيين رهينة في أيدي النظام السوري لدفع الضغوط الخارجية التي يتعرض لها.
الدور الإيجابي في فلسطين يعني دعم وحدة الشعب الفلسطيني، داخل فلسطين المحتلة وخارجها، ودعم التوافق الوطني بين أفرقاء الحركة الوطنية الفلسطينية، والكف عن تشجيع طرف ضد آخر، والإقرار بما يتفق عليه الفلسطينيون، وعدم ذهاب سوريا إلى تسوية منفردة في محاولة لفك عزلة النظام، وترك الفلسطينيين وحيدين في مواجهة العدو الإسرائيلي.
الدور الإيجابي في العراق يكون بدعم كل ما يساهم في الخروج السريع للقوات الأمريكية، سواء على مستوى المجتمع الدولي أو في الساحة العراقية بإظهار البعد الوطني والقومي والأخلاقي للمقاومة المرتكزة على أبعاد وطنية وقومية، وضمان أمن العراق بعد إنهاء الاحتلال، وعدم وضعه في التزامات أو اتفاقيات لا تتوافق مع مصالح العراقيين أو تخرج العراق من وضعه الطبيعي وموقعه في المحيط العربي، وتوسيع دائرة الحضور والتأثير العربيين في العراق على حساب الاحتلال الأمريكي واللعب الإيراني بساحته الداخلية. الدور الإيجابي في العراق يتطلب أيضاً مساعدة العراقيين في إخماد الحرائق المشتعلة فيه، والتخفيف من حالة الاحتقان المذهبي، ورفع الغطاء عن العمليات الإرهابية التي تجري تحت مسميات مختلفة، والمساعدة في استقرار العراق السياسي، ودعم ما يقرره العراقيون إزاء حكومتهم.
أما العلاقات العربية– العربية، فإن سياسة خارجية سورية مستندة إلى المصالح الوطنية السورية، لا بد أن تكتشف ضرورة إصلاح هذه العلاقات وبنائها على أساس من المصالح المشتركة المتبادلة، مهما كانت درجة الخلاف السياسي وطبيعته، لأن غياب الحضور العربي-خاصة في الساحات غير المستقرة في المنطقة العربية- أفسح المجال للأطراف الأخرى للعب أدوارها بما يتناسب مع مصلحتها بالضرورة، فإيران أصبحت رقماً فاعلاً ومؤثراً في جميع هذه الساحات، في العراق ولبنان وفلسطين، ومن الطبيعي أن يكون فعلها وتأثيرها مستنداً إلى المصالح الإيرانية، لا إلى المصالح الوطنية لتلك البلدان، أو للمصلحة القومية العربية.
(3)
عندما تنطلق السياسة الخارجية من المصلحة الوطنية السورية، سيكون لذلك أثره الإيجابي في علاقات سوريا الإقليمية والدولية، وعندها فقط تبنى التحالفات الإقليمية والدولية على أسس سليمة ومتوازنة، أساسها التعاون في حفظ الأمن والسلم الدوليين.
التحالف مع إيران انعكس إيجاباً على ثبات النظام ورسوخه، لكنه من وجهة نظر المجتمع الدولي، ربط سورية بالسياسة الإيرانية في المنطقة والموصوفة بإثارة الاضطراب وعدم الاستقرار، كما أفسح في المجال لإيران للدخول إلى عمق النسيج العربي والتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان عربية عديدة، واستخدامها كأوراق، بغض النظر عن المصالح الأساسية لتلك البلدان، في صراعها مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية حول ملفها النووي الذي وضعته تلك السياسة في دائرة خطر الحرب والتحديات الهوجاء.
تقضي المصلحة الوطنية أيضاً أن تقوم السياسة الخارجية بلعب دور بناء يبعد عنها قرارات العزل والتهميش والحصار، فحال العزلة التي عاشها النظام طوال السنوات الثلاث الأخيرة، والمخاطر التي ترتبت على هذه العزلة، هي من صنع النظام ذاته بالدرجة الأولى، على الرغم من إدراكنا لوجود مشاريع خارجية تهدف إلى الهيمنة على المنطقة، وعلى رأسها المشروع الأمريكي.
إن أية عزلة، تفرض على دولة من الدول، تكمن أساساً في سياستها الداخلية والخارجية التي توفر للآخرين المبررات والمسوغات التي يحتاجونها لفرض العزلة أو التهميش أو الحصار أو الحرب. والعزلة هي مؤشر على فشل السياسة الخارجية في صوغ الآليات والوسائل الكفيلة بمنع العزلة والمخاطر المترتبة عليها.
والعزلة عندما تفرض على دولة ما بحكم خيارات شعبها هو أمر يمكن فهمه واستيعابه وتحمله، أما أن تفرض العزلة، بحكم خيارات نظام حاكم وسياساته غير المحسوبة، فهو أمر في غاية الخطورة، ويكون عندها على الدولة والشعب تحمل وزر ما لم يكن لهما دور فيه.
لم يستشر الشعب السوري في السابق في سياسات النظام التي أوصلت البلاد إلى العزلة، كما لم يستشر في الوسائل والآليات والسياسات التي اتبعها النظام لبدء فك طوق العزلة.
يعود التوجه الفرنسي باتجاه الانفتاح على النظام السوري إلى دور الأخير في تسهيل إنجاز اتفاق الدوحة بين الفرقاء اللبنانيين، والذي كان الشرط الأساسي لإعادة بناء العلاقة مع النظام، لكن الأهم هو رهان الإدارة الفرنسية على إنجاز الاتحاد من أجل المتوسط، والأهمية المعطاة لسورية في هذا الشأن، بحكم تاريخها وموقعها الجغرافي في الشرق الأوسط، وليس بعيداً أن يكون الأمريكان هم من وكل الفرنسييين باختبار نوايا النظام تجاه المفاوضات مع إسرائيل، والإشراف على رعاية هذه المفاوضات لحين خروج الولايات المتحدة من الفترة الانتقالية التي تفرضها انتخابات الرئاسة. إن محاولة استشراف مستقبل العلاقات السورية الفرنسية مرتبطة بأداء النظام السوري تجاه بعض الملفات الإقليمية، ومدى الرضى الفرنسي على هذا الأداء، ومن خلفه بالطبع الرضى الأمريكي، لذلك ما زال على النظام الكثير للقيام به، ليعود تدريجياً بعلاقاته إلى ما كانت عليه قبل العام 2005.
بعد مشاركته في ملتقى الاتحاد من أجل المتوسط، سارع النظام لإدخال سوريا في "تحالف" جديد، في سلوك غير واضح ولا مبرر، بطرحه دمشق بوابة لإعادة التوازن الإقليمي، وبحدود ما الدولي، عبر إمكانية نشر منظومة صاروخية روسية في سورية، رداً على نظام الدرع الصاروخي الأمريكي في وارسو.
التوازن في المنطقة مطلوب، لكنه يعتمد على دول المنطقة أولاً ، وعلى وصولها إلى استراتيجية مشتركة، تمكنها من التعامل مع القوى الدولية من منظار مصالحها المشتركة أساساً، لذلك لا ندري طبيعة المصلحة الوطنية أو القومية التي دفعت بالنظام لاتخاذ هذه الخطوة السريعة، في المدى المتوسط والبعيد. لكننا نعلم من التجربة التاريخية مدى خطورة الاندراج في الأحلاف السياسية على المستوى الدولي، وأثرها السلبي على الأوضاع في المنطقة، خاصة إذا كانت هذه الأحلاف بين الدول الكبرى في العالم ودول المنطقة، فضلاً عن أن هذا القرار السريع، الذي جاء بعد مشاركة النظام في الاتحاد من أجل المتوسط، ودخوله في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل برعاية تركية، يثير الشكوك في توجهات النظام وسياسته الخارجية، ويثبت حالة عدم الموثوقية به وبسياساته وخياراته.
(4)
في الوقت الذي أعلن فيه اللبنانيون عن التوصل إلى اتفاق الدوحة، أعلن النظام السوري، بالاتفاق مع اسرائيل، عن وجود مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين برعاية تركية.
لم يفتأ النظام طوال سنوات العزلة الثلاث، التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، من تكرار رغبته في استئناف المفاوضات مع إسرائيل دون شروط، بعد أن كان يشترط استئنافها من النقطة التي وصلت إليها في العام 2000، إلى جانب تبنيه جنباً إلى جنب، مفردات المقاومة والممانعة والرفض. على كل حال يبقى الأساس أو الجوهر في أي خيار سياسي، هو الانطلاق من المصلحة الوطنية في كل لحظة سياسية.
نفهم أن كل صراع في التاريخ لا بد أن تتخلله مفاوضات وتسويات ومعاهدات مرحلية تقررها نسبة القوى ومجريات الصراع، لكن على العموم فإن خيار التسوية كي يكون مستنداً إلى أولوية المصالح الوطنية السورية على مصالح النظام الضيقة، يجب النظر إليه والتعامل معه بوصفه محطة من محطات الصراع مع إسرائيل وأحد خيارات أو مسارات أو وسائل تحرير الجولان المحتل واستعادته إلى السيادة السورية، شريطة ألا يقفل الباب أمام محاولات استرجاعه بالوسائل المشروعة كافة، المتوافقة في لحظة ما مع أوضاع داخلية وعربية ودولية في صالحنا. لكن الاشتراطات الوطنية على هذه التسوية عديدة، أهمها ألا تفضي إلى التنازل عن أجزاء من الجولان المحتل، أو وضع البلاد في التزامات تنقص من السيادة الوطنية، خاصة فيما يتعلق بمسائل المياه والأمن المتبادل، أو التأثير سلباً على حقوق الشعب الفلسطيني، وشريطة أن يكون للشعب السوري الكلمة الأخيرة فيها، إما من خلال استفتاء عام أو من خلال مجلس شعب منتخب انتخاباً ديمقراطياً حقيقياً بعد الذهاب نحو خيار إصلاح الوضع الداخلي السوري.
لا تدور المفاوضات الراهنة بين الجانبين حول بنود المعاهدة التي تم الاتفاق عليها في أواخر عهد الأسد الأب، بقدر ما تدور حول التفاهمات الإقليمية بين الجانبين. غرض التفاوض الأساسي لإسرائيل هو فك التحالف السوري الإيراني، لأن قلقها مصدره الملف النووي الإيراني، وسياسة النظام السوري تسهل النفوذ الإيراني في المنطقة، ولذلك تعتبر إسرائيل أن التوصل إلى اتفاق مع سوريا من شأنه أن يساهم في تغيير المعطيات السياسية والاستراتيجية في المنطقة، وتتحدد الأهداف الأخرى بوقف دعم حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي. أما غرض النظام السوري من التفاوض فهو بشكل أساسي تخفيف العبء الملقى على عاتقه، نتيجة الضغوط الخارجية، العربية والدولية، من خلال اعتدال الموقف السياسي.
يمكن القول على العموم، أن شروط التسوية وظروفها، قد تغيرت منذ انهيار أسسها في جنيف عام 2000، لكن ما تغير أيضاً أنه لم يعد هناك أحد يؤمن أو يصدق، أن تحرير الجولان واستعادته هو المدخل للإصلاح السياسي والاقتصادي، وأن قانون الطوارئ وجملة الاستثناءات في الداخل السوري، جميعها ترتبط بحل الصراع العربي الإسرائيلي.
على العكس، بات الجميع يرى، في الداخل والخارج، ضرورة وأهمية الأهداف جميعها وارتباطها، وهو ما يعني أن تحرير الجولان وحماية الاستقلال والسيادة الوطنية، يمران اليوم حتماً عبر بناء القدرة الذاتية وتحرير المجتمع وإطلاق طاقاته وإفساح المجال أمامه للمشاركة والفعل في السياسات الداخلية والخارجية على السواء.




















