المدينة ظاهرة مركّبة، وبغية معرفتها ودراستها لا بد من العودة إلى صيغها المبسّطة الأولى، وإلى الفضاء الاجتماعيّ الحاضن لولادتها، والتدقيق في مراحل تطورها التاريخيّ. ومن دون تبسيط صيغ تشكّلها وتطوّرها لا يمكن تفكيك ظاهرة التمدّن التاريخيّة ـ الاجتماعيّة. فهي ظاهرة تمايز اجتماعيّ ـ عمرانيّ نتجَت بالأساس من تمايز وبروز تجمعٍ سكنيّ أوليّ من بين عشرات التجمعات السكنية المحيطة، حيث نهض تجمعٌ واحد ليستقطب ويعيد إنتاج وظائف جديدة للمجتمع. فالمدينة كانت في البدء ظاهرة تمركز سلطويّة ـ دينيّة ومن ثم إداريّة لاحقاً. وتجسّدت فيزيائياً كترجمةٍ للتمايز الاجتماعيّ ـ الجغرافيّ نفسه، وكتفوقٍ لتجمّع سكاني ذا خصائصٍ مكانيّة على محيطه. وكانت المدينة، ومازالت، ظاهرة استقطاب ومَرَكَزة للفعاليات السلطويّة ذات الجذور والأبعاد الأسطورية. إذ يرتبط سرّ بقاء المدينة بقدسيّة المكان الأول الذي انبثقت عنه، إضافة إلى عوامل موضوعيّة أخرى تغذّي نموّها.
لم تحقق المدينة تمايزها إلا على حساب القرية وفي علاقة توازن دقيقة معها، فقد تفارقتا وانبثقتا من أصلٍ عمرانيّ مشترك، وهي التجمعات السكنية الأولى، كما تبلورت القرية كعضو في النسيج العمرانيّ ـ الاجتماعيّ لمجتمعات ما قبل التاريخ بالتوازي والتفاعل مع تطوّر المدينة، عبر صيرورة اجتماعية معقّدة، كانت ملامحها وخطوطها العامة تكمن في توزيع الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين التجمعات السكنية، وتحقيق علاقات توازن اجتماعيّ وبيئيّ ومكانيّ فيما بينها. وفي المحصلة شكّلت المدينة ظاهرة لتمركز واستقطاب الفعاليات الدينية والإدارية والتجارية والثقافية، في حين اقتصرت وظيفة القرية على الفلاحة وإنتاج القوت وأساسيات الحياة.
لقد تشكّلت المدينة ونهضت على أكتاف الريف، وباتت تمارس سلطتها الحضرية وتأكل ممّا ينتجه المحيط الريفيّ. فأوكلت المدينة للريف، حسب سلطتها، مهمة الإنتاج الغذائيّ النباتيّ والحيوانيّ، حتى استقرّت القرية بوصفها نمطاً لتجمع سكنيّ ـ عمرانيّ وظيفته الأساس إنتاج القوت وخدمة الحواضر. فالقرية إذن نمط حياة وإطار اجتماعي لإنتاج الغذاء لا يمكن الاستهانة بمستقبلها ولا بمساحاتها وثقلها وبالتالي بوجودها. علماً أنّ مصطلح الريف بالعربية أكثر دقة وتعبيراً عن جوهر وظيفة القرية الاجتماعية والإنتاجية، ففي "لسان العرب" نجد أن الريف يعني: "راف البدوي يريف إذا أتى الريف، وقالوا: راف اسم للخمر، تحمي أي تسكر، وأرافت الأرض إرافة وريفاً كما قالوا خصبت إخصاباً سواء في الوزن والمعنى، وكذلك القول الإخصاب والخصب، أما بالنسبة للقرية فالمعنى أشمل وتعني القرية المصر الجامع أو كل مكان اتصلت به الأبنية، واتّخذ قراراً.
من جانب آخر شيّدت المدن الأولى في مواقع مُنْتَخَبة، خاصة على ضفاف الأنهر لأسباب عديدة، واستمرت في توّسعها لتأكل الأراضي الزراعية الخصبة المنتجة على سرير الأنهر. فإضافة إلى وظيفتها في ممارسة السلطة على الريف، توسّعت على حساب المساحات المزروعة من الأرض في محيطها. وبشكل خاص منذ بداية النهضة الصناعة وتطوّر المدينة الصناعية في كل من أوروبا وأميركا.
اتّسمت المدينة تاريخياً ووظيفياً بالتسلّط، وممارسة الشعوذة الأيديولوجية، وسادت ثقافة الاستهلاك في ربوعها المرفّهة، وتفاقم استغلالها للريف المحيط بكل الوسائل والأساليب. ما أدّى إلى ولادة وظهور ردود فعل معاكسة لدى الإنسان القرويّ، ملخّصها سدّ الفجوة الثقافيّة والخدميّة بين واقعه المعاش في الريف وما هو كائن في المدينة الحاكمة، وكان أسهل الطرق للتغلّب على هذا الواقع، هو طريق الهجرة واللجوء إلى المدينة. يهاجر القروي ليعمل في أي مهنة ويتخلّى عن الفلاحة والزراعة التي اُستهجنت حسب ثقافة ومعايير سكان الحضر بأكثر من صيغة وأسلوب.
فظاهرة التناقض الثقافي ـ القيمي بين المدينة والريف بدأت منذ القرون الأولى لتمايز المدينة عن القرية، وتُرجمَت في أكثر من وثيقة ونص إبداعيّ وتاريخيّ.
أما في النصف الثاني من قرن العشرين فقد تضاعف عدد سكان المدن في العالم عموماً، وفي الدول غير الصناعية بشكل خاص، لجملة من العوامل والحوافز المسبّبة للتكاثر السكانيّ الحضريّ. فبات أغلب سكان العالم يقيمون في المدن، ويعملون في الخدمات العامة المتأتية والمتوافرة من إدارات بيروقراطية الدول الناشئة. هذه المدن والحواضر كانت ومازالت تتضخّم سكانياً وتتّسع، وهي بذلك تعبر عن سلبيات الزيادة السكانية وتضخّم الإدارات والخدمات المحلية وتكاثر وتشعّب بُنى السلطة المركزية، ووظائفها غير المنتجة. فالمدينة المعاصرة غير الصناعية تحديداً هي مدينة السلطة وإداراتها وبيروقراطيتها المترهّلة بامتياز.
بعيداً عن التخطيط الحضري والإقليمي تفاقمت مشكلة المدن ـ العواصم من جديد مطلع أعوام السبعينات من القرن الماضي، خاصة في البلدان النامية. وانضم أغلبية سكان هذه المدن إلى مجموع سكان المدن الصناعية كمستهلكين للغذاء.
لكن ما أرجأ الأزمة وامتصّ هذا الخلل منذ مطلع القرن العشرين كان إسهامات المَكْنَنَة الزراعية وزيادة رقعة الأرض المزروعة في القارات الحديثة، خاصة الأمريكيتين واستراليا. إلا أنّ الخلل الهائل الذي حصل في العقود الأربعة المنصرمة بين عدد سكان الريف وسكان المدن المنضوين تحت عملية التمدّن السريعة والتحضر الزائف في كثير من مناطق العالم، وترافق ذلك مع تراجع ثقافة العمل الزراعي التقليدية، أدّى إلى هذا التحول والقفزة في الطلب على المنتج الغذائي.
إن مجموع سكان المدن اليوم يقارب 60 % من مجموع سكان العالم حسب إحصائيات الأمم المتحدة، وترتفع هذه النسبة إلى حوالي 80 % في بعض الدول. وليس جميع سكان المدن ينتجون الغذاء بشكل مباشر إلا ما ندر وباستثناءات قليلة. فالمدينة أمْسَت غولاً تأكل بشراهة ما ينتجه من تبقّى من سكان الريف الذي يحلمون ليل نهار بترك الأرض والتوجه نحو أضواء المدينة ليحترقوا بسلطتها وإغواءاتها الجميلة. فأزمة الغذاء العالميّ الراهنة هي أزمة تمدّن أساساً، أي أزمة توازن عمراني. وتظلّ المدينة كظاهرة متفاقمة هي أحد أهمّ أوجه الأزمة المنبثقة من هذا الخلل في التوازن المكاني والسكاني. ما ينبّه إلى ضرورة وضع حدود لتفاقم النمو المديني أولاً، ومن ثمّ دعم الحياة التقليدية الريفية في سياق برامج تخطيط إقليميّ شاملة، وكذلك إحياء الزراعة التقليدية بأكثر الطرق بساطة واستدامة، ودعم واستقرار وإنعاش الحياة الريفية، عن طريق تأمين ونقل كافة الخدمات الضرورية والترفيهية المعاصرة إلى الريف والتجمعات الحضرية الزراعية الصغيرة. وهذه الإجراءات بحدّ ذاتها قد تشكّل جزءاً كبيراً من الحلول الممكنة للأزمة الغذائية العالمية المُتفاقمة والتي تترك آثاراً كبيرة على حياة سكان المعمورة كلّهم وتُنذر بأوضاعٍ كارثية خطيرة في الدول والمناطق الفقيرة والمهمّشة.
(*) باحث وجامعي سوري. مهتم بتاريخ العمارة والتطور العمراني




















