استغلت الأوساط السياسية واللأمنية والإعلامية في إسرائيل نبأ الكشف عن المنشأة السرية في إيران لتخصيب اليورانيوم، من أجل تحريض العالم على مزيد من العقوبات ضد إيران، وإعادة التلويح بامكانية استخدام كل الخيارات، بما فيها الخيار العسكري، في محاولة واضحة لحث المجتمع الدولي على تشديد الضغط على إيران.
ويأتي المسعى الإسرائيلي على الرغم من تأكيد العديد من التقارير الإعلامية والأمنية في إسرائيل، ومنها ما ورد في صحيفتي "هآرتس" و"معاريف"، بأن إسرائيل على علم بأمر المنشأة "السرية" الإيرانية، منذ عدة أشهر، وأن أجهزة الاستخبارات الأميركية والغربية أطلعت المؤسسة الأمنية والمستوى السياسي في إسرائيل على حقيقة وجودها، الأمر الذي يطرح علامات استفهام كثيرة على الحملة الإعلامية والسياسية التي تشنها إسرائيل ضد إيران، وعلى خلفياتها وغاياتها، واستخدام ذريعة " المنشأة السرية" الجديدة لشن هذه الحملة.
وفي سياق الحملة الإسرائيلية برزت عدة مواقف ومساع من المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي شرع في سلسلة اتصالات ومحادثات مع كبار الأعضاء في الكونغرس الأميركي محاولا بذل كل جهده في سبيل فرض العقوبات على ايران في اعقاب الكشف عن المنشأة النووية الجديدة.
ولهذه الغاية، تحدث نتنياهو في الاونة الاخيرة، بحسب "معاريف"، مع عدد من اعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ الكبار، بينهم رئيسة الاغلبية الديمقراطية نانسي بلوسي وزعيم الجمهوريين نيتان مكولين. وكرر نتنياهو في الحديث اهمية تشديد العقوبات.
وللغاية ذاتها، انعقد أمس "منتدى السباعية" (الذي يضم سبعة وزراء من "الليكود" و"العمل" و"إسرائيل بيتنا" و"شاس"، والمسؤول عن اتخاذ القرارات الاستراتيجية والأساسية) للبحث في المسألة الايرانية، على أن ينعقد المجلس الوزاري السياسي ـ الامني الاربعاء لتلقي تقرير من نتنياهو عن آخر التطورات.
وثمة أمل كبير في إسرائيل أن يؤدي الكشف عن المنشأة الجديدة إلى أن تنضم روسيا الان الى المعسكر المعادي لإيران.
و سبق لرؤساء وزراء في اسرائيل، بينهم ايهود اولمرت وبنيامين نتنياهو، أن سافروا مباشرة الى الكرملين في موسكو لاقناع النظام الروسي بعدم بيع وسائل قتالية لايران، وعلى رأسها صواريخ أس 300، كما كُشف النقاب قبل اسبوعين عن زيارة سرية قام بها نتنياهو إلى روسيا، وقيل إنها بحثت الملف الإيراني.
وكان وزير الخارجية، افيغدور ليبرمان قال في نهاية الاسبوع في مقابلة مع "صوت اسرائيل" ان الكشف عن المنشأة السرية يشكل برهانا قاطعا على أن النظام في طهران يسعى بسرعة الى تطوير سلاح نووي. وقال: "تحدثت في نهاية الاسبوع مع خبراء من كل العالم. ولا ريب لدى أي منهم، عقب المعلومات الفنية المنشورة، بأن الحديث يدور عن مفاعل عسكري. عدم الاتفاق (بالنسبة لمسألة اذا كانت ايران تطور قدرات نووية) انتهى".
وفي موازاة المساعي العلنية لنتنياهو، أطلق العديد من المسؤولين السياسيين والأمنيين، مواقف وتصريحات ذات صلة بالموضوع لم تخل من التهديد والوعيد ضد إيران. وفي هذا المجال، قال مصدر سياسي لمعاريف أن "العالم يفهم ما نحتاج اليه نحن منذ زمن بعيد"، وأضاف، "فقد فهم بان لدينا قضية مع شخص خطير جدا ( نجاد) لا يتردد في استخدام أي وسيلة ويضلل دول العالم".
ومع ذلك، تشير "معاريف" إلى أنه إلى جانب الوسائل الديبلوماسية التي يأملون في القدس ان تنال الزخم الان، فان اسرائيل لا تشطب أي خيار هجومي عن الطاولة، فـ"كل الخيارات على الطاولة"، كما تنقل معاريف عن كبار المسؤولين في القدس. وتضيف الصحيفة في المقابل بأن مصدرا سياسيا رفيع المستوى في إسرائيل اعرب عن تخوفه من أن "الاميركيين يلمحون بانهم لا يعتزمون السير في الخيار العسكري". وحسب هذا المصدر، فان الزمن في هذا السياق حرج بالنسبة لاسرائيل، فـ"هناك أوضاع يتم فيها اجتياز نقطة اللا عودة ونحن في مستهل هذه النقطة. دون موافقة الولايات المتحدة على خطة عسكرية، من شأن اسرائيل أن تدفع ثمنا باهظا".
وتشير معاريف إلى أنه ثمة في المستوى السياسي الإسرائيلي المزيد فالمزيد من المحافل التي تعتقد انه يمكن ربط الولايات المتحدة بخطوة عسكرية فقط اذا كان هناك تقدم حقيقي في المسيرة السياسية حيال الفلسطينيين.
وفي سياق تعليقات المراقبين والمعلقين الإسرائيلين، قال معلق الشؤون الاستخبارية في يديعوت أحرونوت، رونين بيرغمان، المقرب من كبار المسؤولين الأمنيين في إسرائيل، أنه فضلا عن التفاصيل عما يجري في المنشأة النووية، فضلا عن الرد الايراني على كشف النقاب عنها وفضلا عن الرد على الرد من الرئيس الاميركي يبقى جانب مشوق آخر يعنون به اليوم في اوروبا وفي الولايات المتحدة: هل يأمر نتنياهو سلاح الجو بتدمير المشروع النووي الايراني او على الاقل الاجزاء المعروفة منه لاسرائيل".
الجواب، بحسب بيرغمان، ليس واضحا من تلقاء ذاته، ذلك أن الاثر ليس في مجرد الكشف عن المنشأة بل في التأثير الذي سيكون لهذا الكشف على الرأي العام العالمي واساسا على سلوك القوى العظمى حيال ايران.
ويضيف بيرغمان أنه على الاقل، كما يرتسم الامر في اليومين الاخيرين، فان ثمة مجالا للامل بان الكشف، الذي حظي بعناوين رئيسة في كل ارجاء العالم، سيقلص بالذات الاحتمال في أن تتخذ اسرائيل خطوة هي ليست معنية بها بقدر كبير. ويثبت الكشف، بحسب بيرغمان، بان اسرائيل كانت محقة في تحذيراتها في السنوات الاخيرة، من أن الايرانيين بالفعل يسعون الى تطوير سلاح "يوم الدين". ويشير أيضا إلى أن التقدير في اسرائيل هو أن هذا الكشف سيشجع القوى العظمى على الرد.
وقال المحلل السياسي في صحيفة "معاريف" بن كسبيت، إن أحدا من أصحاب القرار في اسرائيل لم يفاجأ بالكشف عن منشأة تخصيب اليورانيوم الجديدة المجاورة لمدينة قم في ايران. أضاف أنه ليس في الغرب شخص جدي لا يعرف حقيقة ان لدى ايران برنامجا نوويا عسكريا. لكن الخلاف يدور، برأي كسبيت، حول مسألة كيفية معالجة هذا البرنامج: بالقوة، بالعقل ام عدم معالجته على الاطلاق. ويرى كسبيت أن الايرانيين تلقوا في نهاية هذا الاسبوع ضربة معنوية وهزيمة اعلامية، ولكن ليس هذا هو ما سيوقفهم.
ويشير كسبيت إلى أن الكشف عن المنشأة الإيرانية " وضع حدا للجدال بين اجهزة الاستخبارات الاميركية التي سكبت دلوا من المياه الباردة على البرنامج النووي الايراني قبل أقل من سنتين وبين شعبة الاستخبارات والموساد الاسرائيليتين"، ليؤكد أن الإسرائيليين كانوا محقين في هذا الجدال.
وثمة أمر جيد آخر، بالنسبة لإسرائيل، حصل بحسب كسبيت، وهو أن " العالم احتل مكاننا في التصدر العلني في المعركة ضد النووي الايراني، أما نحن فنشجع من مقاعد المتفرجين. رئيس الاركان الفريق غابي اشكنازي يقول في المداولات المغلقة ان على العالم ان يعطي الان احمدي نجاد الفرصة للاختيار مثل من يريد ان ينتهي: القذافي ام صدام حسين".
"المستقبل"




















