نصير الأسعد
يمكنُ للمراقبين بـ"سهولة" أن يلاحظوا أن ثمة حركة ديبلوماسية سورية نشطة في غير إتجاه منذ أيام.
فبعد زيارته إلى تركيا ومحادثاته مع كل من الرئيس عبدالله غول ورئيس وزرائه رجب طيب أردوغان، قام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة "مفاجئة" إلى جدة حيث شارك في افتتاح "جامعة الملك عبدالله" هناك والتقى خادم الحرمين الشريفين. وكانت هذه الزيارة "مفاجئة" بمقياس واحد على الأقل، إذ كانت مسبوقةً بموقف سوري يؤكد أن الزيارة إلى المملكة غير واردة وان لسوريا ديناً على المملكة تنتظر إيفاءه.
وأتبعت زيارة الأسد إلى جدة بـ"إنتشار ديبلوماسي" ملحوظ. رسالة يحملها وزير الإعلام السوري إلى المملكة العربية السعودية. زيارةٌٌ يقوم بها وزير الخارجية وليد المعلم إلى فرنسا. وأخرى يقوم بها نائبه إلى الولايات المتحدة.
في "التوقيت": رسالتان إسرائيلية وأميركية
وفي قراءة لـ"توقيت" إندفاعة الحركة الديبلوماسية السورية، يتبين أنها تلي عدداً من المعطيات المهمة.
فـ"على ما يبدو" تبلّغ رأس النظام السوري من القيادة التركية رسالة إسرائيلية مفادها أن إسرائيل لم تعد مهتمة "الآن" بالمفاوضات الثنائية السورية الإسرائيلية غير المباشرة لأن الإهتمام الإسرائيلي منصبٌ على "الخطر الإيراني" ومتفرعاته.
و"على ما يبدو" أيضاً، وفي مناخ توتّر متجدد مع أميركا، تبلغت دمشق تذكيراً أميركياً متجدداً بـ"دفتر الشروط" وموقفاً بأن الإنفتاح سيتوقف وإذا كان لدى سوريا ما تريد قوله فلتوفد أحد مسؤوليها إلى واشنطن.
الموقف الدولي "العالي" من إيران
إلا أن الأهم كان ما "سمعه" النظام في سوريا في الأيام الماضية من موقف أميركي ـ فرنسي ـ بريطاني "عالٍ" حيال إيران وملفها النووي وموقعها الإقليمي. وقد بلغ هذا الموقف "العالي" حداً جعل الرئيس الأميركي باراك أوباما يستعيد بعضاً من خطاب الإدارة السابقة إذ لم يستبعد ضربةً عسكرية ضد إيران.
وكل ذلك، على مسافة قصيرة جداً من الاجتماع المفصلي الذي تستضيفه جنيف غداً بين أركان المجتمع الدولي من جهة وإيران من جهة أخرى والذي سيقرّر منحى العلاقة الدولية الإيرانية في الأشهر المقبلة، فيما كل المؤشرات المتوافرة الآن تدل على أن الوجهة تصاعدية.
في "توقيت" إندفاعة الحركة الديبلوماسية السورية إذاً، تلمّس من جانب النظام السوري لـ"حقيقة" أن قنوات الاتصال التي كانت مفتوحة معه لا تُعفيه من تنفيذ الشروط المطلوبة منه، وتلمّس من جانبه لـ"حقيقة" أن العلاقة الدولية بإيران ذاهبةٌ إلى مواجهةٍ ما، وإستنتاج من قبله أن عليه "تدبّر" وضعه.
الحركة الديبلوماسية السورية تحكمها خشيتان
وعليه، يصحّ القول إن وراء الحركة الديبلوماسية السورية خشيةً من إتجاه العلاقة الدولية الإيرانية نحو المواجهة، وخشيةً من أن تُصاب سوريا نفسها من "شظايا" تلك المواجهة الدولية الإيرانية.
ووفقاً لهذه المعاني، لا جدال في أن النظام السوري يبحث ـ بما في ذلك عبر حركته الديبلوماسية ـ عمّا يمكن تسميتُه "الأمان" بإزاء التطورات المحتملة. ولا جدال أيضاً في أن "خطّ الأمان" الأساسي له يبدو خطّ العلاقة مع المملكة العربية السعودية.
"الأمان".. بـ"المناورات"؟
وفي تقدير المتابعين الجادين أن بحث النظام الحاكم في دمشق عما يمكن تسميتُه "الأمان"، يقعُ بين حدّين.
الحدّ الأدنى هو أن يكون في صدد "مداواة" الإحتمالات بنوع من "العلاقات العامة". أي بنوع من "المناورات الديبلوماسية" التي تندرج عادةً في خانة "شراء الوقت". أي إنتظار ما يمكن أن يحصل مع إيران ولها ليبنيَ لاحقاً الإستنتاجات اللازمة.. وفي إنتظار ذلك محاولة تجنّب "أوجاع" طارئة.
..أو بـ"التعاون"؟
أما الحدّ الأعلى فهو أن يكون، وقد لمس أن "الواقعة" الدولية الإيرانية حاصلةٌ لا محالة، وقد فهم أنه لن يكون بـ"منأى"، قد باشر إستعداداته لـ"التعاون" بطريقة أو بأخرى تميزاً عن التصعيد الإيراني وفكاً عنه. هذا مع العلم أن المتابعين الجادين يرون أن هذا "الحد الأعلى" ليس من أسلوب النظام السوري تقليدياً ولا يقعُ ضمن "قدراته" بالنظر إلى تاريخ العلاقة السورية الإيرانية..حتى الآن.
1 تشرين الأول: اليوم الأول في مرحلة جديدة
في جميع الأحوال، لا بدّ من القول إن الحركة الديبلوماسية السورية النشطة مؤشر في حدّ ذاتها إلى مرحلة مليئة بالإحتمالات. وما يستطيع النظام السوري "إخفاءه" أو "المناورة" بشأنه اليوم، لن يكون في مستطاعه "إبتداء" من غدٍ الأول من تشرين الأول.
كذلك فإذا كانت هناك إستحقاقات داهمة عليه، فإن أول الإستحقاقات الداهمة هذه هي لبنان، أي "التسهيل" في لبنان، وهو أمر من الصعب عدم إتضاحه "إعتباراً" من يوم غدٍ أيضاً.
الأول من تشرين الأول يومٌ مفصليّ لأنه اليوم الأول في مرحلة جديدة.




















