المستقبل –
حصل لوكمان، الباحث المرموق في دراسات الشرق الأوسط الأميركية، على الدكتوراه بدراسة مهمة عن تاريخ الحركة العمالية المصرية. وبقي يعمل على هامش هذا المجال البحثي في الولايات المتحدة لمواقفه اليسارية المؤيدة للحقوق الإنسانية في العالم العربي، والتي كانت سبباً في حرمانه من عدة وظائف. وهو يعمل حالياً أستاذاً في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك، أحد الأقسام المرموقة في هذا التخصص في الولايات المتحدة.
وينتمي لوكمان إلى تيار من الباحثين الإنكليز والأميركيين، منهم روجر أوين وجول بينين وغيرهما. وهو تيار لعب دوراً مهماً في تطوير دراسات الشرق الأوسط، انطلاقاً من موقف إنساني مكافح ضد تيار، كان سائداً، ينطلق من مواقف استشراقية ذات سمات عنصرية ورؤية انتقاصية للعرب والمسلمين. وقد تأسس موقفه على منظومة فكرية واسعة تشمل مساندة حقوق المرأة، ومكافحة العنصرية ضد الأميركيين السود، وضد التقسيم العالمي للعمل الذي يأتي على حساب شعوب العالم الثالث. وضمن هذا الإطار، حاول هذا الجيل من التيار اليساري أن يعيد صياغة "المجال البحثي في شؤون الشرق الأوسط"؛ فاتخذ مواقف من المنطقة التي صارت تعرف بـ "الشرق الأوسط" ضد الاستعمار والمزاعم الصهيونية والحكومات الرجعية والدكتاتورية، خاصة تلك "المرضي عنها من ساسة الولايات المتحدة".
والجدير بالملاحظة أن هذا الموقف ليس قومياً أو دينياً، فهو ليس مع العرب بوصفهم عرباً، أو مع المسلمين بسبب دينهم، وكذلك ليس ضد سياسات إسرائيل كموقف من اليهود عموماً، فبعض هؤلاء يهود، ولوكمان منهم، بل هو موقف ضد الظلم والقهر أياً كان ضحاياه، ومع الكادحين والمقهورين أياً كان جنسهم أو دينهم أو عرقهم، وعلى هذا استندت معارضتهم لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة.
عمل هذا التيار من الباحثين على نقض مسلمات "دراسات الشرق الأوسط" ومنهجيتها وأسسها الفكرية، وبطرح رؤى جديدة مبدعة لتفسير التاريخ وسياسات الشرق الأوسط. وهذا الكتاب، موضوع القراءة، إحدى ثمار هذا الجهد الفكري والبحثي؛ حيث لا يخاطب لوكمان فيه القارئ الأميركي بإدانة سياسة بلاده، وإنما بتفحص "دراسات الشرق الأوسط" الأميركية، عبر نصف قرن، كاشفاً ارتباط التيار الرئيس فيها، منذ البداية، بمخططات الإدارات الأميركية في المنطقة إبان الحرب الباردة، موضحاً الجذور الفكرية لهذه السياسة، برؤية نقدية لتطور الفكر العلمي في إنكلترا والولايات المتحدة تجاه العرب والإسلام، متوغلاً في استقصاء ما استعان به هذا الفكر من أفكار غربية موغلة في القدم. وفي استقصائه هذا يغوص لوكمان عميقاً ليصل إلى ما انتقاه الاستشراق و"دراسات الشرق الأوسط" (موضحاً الفرق بينهما) من الثقافة اليونانية القديمة، وثقافة العصور الوسطى الأوروبية، وأفكار عصر النهضة، فبيّن علاقة هذا التطور بالمشروع الاستعماري الغربي والعالمي؛ إلا أنه أوضح أن الأفكار الغربية عن الشرق والإسلام، لم تكن تهدف دائماً إلى خدمة الطموحات الاستعمارية، فقد لاحظ لوكمان أن بعض المستشرقين وباحثي الشرق الأوسط، واجهوا هذه الرؤى ذات الميول الاستعمارية.
يرصد لوكمان تحول التيار السائد في "دراسات الشرق الأوسط" بعيداً عن خدمة أهداف الإدارات الأميركية، بفعل قوة المنظورات والمناهج الجديدة التي قدمها معارضو المفهوم التقليدي للاستشراق، موضحاً كيفية اقتران هذا التحول بموقف مبدئي يرفض توظيف العمل البحثي لخدمة السياسات الأميركية من منطلق رفض مبدأ توظيف العلم لخدمة السياسة عموماً. وهو موقف جدير بأن يحتذى في العالم العربي.
وفي مواجهة ذلك وجدت المصالح الأميركية الساعية للهيمنة على المنطقة، أسلحة فكرية، إما في مستشرقين قدماء مثل برنارد لويس، أو في مستودعات الأفكار think tanks، وهي منظمات بحثية خاصة تهدف بشكل حصري إلى إنتاج أفكار ومفاهيم تخدم السياسة الأميركية، لا إلى البحث العلمي الموضوعي. ولا يزال لوكمان وتيار عريض معه من "باحثي الشرق الأوسط" يخوض معارك ضد المؤسسات الصهيونية في الولايات المتحدة، التي تسعى إلى استعادة الهيمنة على دراسات الشرق الأوسط، او تقليل الإنفاق الفدرالي عليها. وهم في موقفهم هذا يعتصمون بمبادئ الحرية الأكاديمية.
وفي سياق هذه المعركة يحاول لوكمان، متوجهاً إلى القارئ الأميركي المثقف، لا للمتخصص، لحثه على الاستماع بشكل نقدي إلى مفكري مستودعات الأفكار والمستشرقين المتعصبين، وليتفهم بالتالي بواعث لجوء قطاعات من العالمين العربي والإسلامي إلى الإرهاب، وميل قطاعات أوسع إلى دعمه، دون أن يكفوا في الوقت نفسه عن إدانة هذا الإرهاب، الموجه في النهاية إلى أناس معظمهم مسالمون. ويواجه هذا الموقف الدعاية السائدة في الإعلام الأميركي التي تعتبر كل حديث عن اسباب الإرهاب تبريراً له ودفاعاً عنه.
أخيراً من المفيد إضافة ما تمناه المترجم في تقديمه للكتاب، وهو أن ينجح الكتاب في علاج سوء الفهم الذي نجم عن ترجمة كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد إلى العربية، حيث فُهم كإدانة كاملة للغربيين جميعاً وللفكر الغربي كله، وما استخلصه الرأي العام منه، معتبراً أن رؤية الاستشراق السائدة تمثل منطلق الغربيين في تعاملهم مع الشرق ـ رغم احتجاج إدوارد الشديد على هذا الفهم ـ ما أدى إلى تأجيج تفسير مشكلات العالم العربي مع الشرق في إطار فكرة صراع الهويات بين الغرب والعرب والمسلمين، وتشجيع المواقف القائمة على الانغلاق والتعصب، ويخدم في النهاية، قوى استبدادية تعتنق شعارات الهوية العربية و/ أو الإسلامية بمنطق دفاعي يائس يعزلنا عن كل مصادر الدعم والمساندة من قبل القطاعات التحررية في الغرب ويفلق أفق حوار حر بناء وممكن.
[ الكتاب: تاريخ الاستشراق وسياساته
(الصراع على تفسير الشرق الأوسط)
[ الكاتب: زكاري لوكمان/ترجمة شريف يونس
[ الناشر: دار الشروق القاهرة 2008




















