تعاني صناعة الحرير الطبيعي في سوريا من مشكلات عديدة تتعلق بقلة الاستهلاك المحلي بسبب ارتفاع أسعار الأقمشة الحريرية، وقلة مرتدي اللباس التقليدي الذي يعتمد عليه في تكوينه بسبب توجه الناس نحو الألبسة الأخرى، إضافة إلى قلة عدد السياح المستهلك الوحيد الباقي لهذه النوعية من الأقمشة.
وتعود صناعته في سوريا إلى قرون طويلة، حيث لعب موقعها الاستراتيجي دورا كبيراً في تطورها وازدهارها، في وقت كان يعتبر فيه الحرير من العوامل المهمة التي يرتكز عليها اقتصاد الدول، وكانت أهميته توازي أهمية النفط وإن تفوق عليه في أنه ثروة لا تنضب.
ويقول عمار متيني صاحب مشغل للحرير: «اشتهرت دمشق منذ عهد بعيد بصناعتها النسجية الراقية، وكان حي «القيمرية» يدعى بالهند الصغرى لاحتوائه على عدد كبير من الأنوال اليدوية التي تنتج أقمشة الحرير ولا تزال بقايا هذه الصناعة حتى اليوم».
ويضيف: «كان هناك سوق لهذه الحرفة يدعى سوق «الدقاقين» يقع بالقرب من سوق البزورية، لكنه أزيل منذ أكثر من خمسين سنة وصار مكانه قهوة مشهورة تسمى بقهوة «سوق الدق»، أما اليوم فيحتل مكان السوق والقهوة شارع جديد يسمى «حسن الخراط» وفيه يمتد سوق البزورية».
ويؤكد متيني أن دمشق أصبحت في العام 1860م أكبر مركز صناعي لإنتاج الحرير والاتجار به في العالم بالإضافة لصناعة بقية أنواع الأقمشة والمنسوجات، مشيرا إلى أن الأقمشة الحريرية الدمشقية كانت تصدر إلى القدس ومصر وتركيا وإيران والدول الأوروبية، «حتى أن أحد أثواب زفاف الملكة اليزابيث الثانية كان مصنوعا من بروكار معامل النعسان في دمشق وأنتج صانعوه فيما بعد نوعاً سموه «اليزابيث».
ويقول متيني إن صناعة الحرير الدمشقي في تلك الفترة واكبت التطورات التقنية الصناعية العالمية، «حيث استخدمت نظام الجاكار الميكانيكي الذي كان أدخله الصناعي حنا بولاد وسمي الحرير المنتج من معمله «حرير البولاديّة».
ويضيف: «تطورت صناعة الحرير فيما بعد لتنافس المنسوجات الغربية التي بدأت تغزو الشرق حيث جدد الحرفيون صناعة نسيج الدامسكو والبروكار والأغباني بإضافة خيوط الذهب والفضة إليها، كما ابتكروا أنواعا رخيصة للاستهلاك المحلي (الديما والألاجا والشالة.)
مراحل الصناعة
ويعتقد أحمد شكاكي، صاحب نول حرير، أن ارتفاع أجر الأيدي العاملة وارتفاع أسعار الأقمشة الحريرية التي تتراوح بين 1000 و3000 ليرة، إضافة إلى عدم إقبال الناس على شراء أقمشة الحرير واقتصار استهلاكها على السياح ودخول الآلة، أدى إلى تراجع الصناعة التقليدية والتي كانت موجودة بكثرة داخل المنازل الدمشقية.
وحول أنواع الأقمشة الحريرية التي ينتجها يقول شكاكي: «ثمة أنواع متعددة تحيكها الأنوال القليلة المتبقية في دمشق والتي مازالت تعتمد على الحرير الطبيعي، غير أن الكثير من الحرفيين يستخدمون اليوم الخيوط المذهبة بدل خيوط الذهب التي استخدمت قديماً، وإن كان البروكار هو أكثر الأقمشة المتداولة والمرغوبة من قبل السياح الأجانب غير أن هناك أنواعاً لا تقل أهمية كالدامسكو والأغباني وغيرها».
ويشرح شكاكي مراحل تصنيع الحرير في دمشق بقوله: «يأخذ التاجر أو الصانع شلل الحرير الخام ويبعث بها إلى الفتال الذي يقوم بكرّ الشلل خيوطاً على بكرات خشبية، ثم تؤخذ هذه البكرات للزوي وهي عملية تجمع الخيوط من بكرتين أو أكثر على بكرة واحدة ثم تبرم هذه الخيوط المزوية على آلة الفتل، حيث تفتل هذه الخيوط الثنائية أو الثلاثية على بعضها البعض لتصبح على هيئة خيط واحد متين».
ويضيف: «بعد ذلك يأتي دور المسدي وهو الشخص المسؤول عن تحضير السدى أي الخيوط الطولانية للقماش، ثم يسلمها للصباغ الذي يقوم بصبغها بحسب الألوان التي يريدها صاحب العمل، بعد يأتي المزيك ليقوم بتغطيس خيوط الحرير بالنشاء المحلول في الماء المضاف إليه الصمغ المأخوذ من أشجار اللوزيات، وفي دمشق يضيفون سكر نبات وغراء للحرير».
ويشير شكاكي إلى أن عملية التغطيس تستمر حوالي 5 دقائق، ومن ثم تعصر خيوط الحرير ثم يقوم المزيك بلفها على شكل كرة متطاولة، وفي الصباح الباكر يذهب المزيك بصحبة كراته الحريرية إلى مكان واسع وبعيد عن السكن ليقوم بنشر خيوطه معتما على عوارض خشبية كبيرة وذلك ليتم تجفيف خيوط الحرير من المواد المضافة لها. ويضيف: «عند إتمام شغل المزيك من الحرير يسلمه إلى الملقي الذي يهيئه بدوره للحائك فيقوم بتشبيك خيوط السدى مع النير تمهيدا لعملية الحياكة، ثم يأتي دور الحايك الذي يحول الخيوط إلى نسيج سدى في الطول ولحمة في العرض وفق الهيئة التي يريدها».
ويشير شكاكي إلى أن المرحلة الأخيرة تسمى مرحلة الدق، حيث يقوم الدقاق بغسل قطعة النسيج من أثر النشاء، ثم يثنيها ويدقها قليلاً بآلة ثقيلة من خشب تسمى المدقة ويساعد ذلك في إظهار نوع التموج والبريق على القطعة.
مقترحات للتطوير
من جانب آخر يعتقد حسين فرحات (صاحب نول حرير) أن صناعة الحرير اليدوي في طريقها للاندثار، لذلك فهو يقترح ضرورة إيجاد سوق خارجية عربية أو دولية لتصريف المنتجات الحريرية.
ويضيف: «من أجل التخلص من كساد خيوط الحرير الخام لعدم إقبال تجار الحرير على شرائها بسبب ارتفاع الأسعار، يمكن فتح باب التصدير للشرانق خارج القطر قبل حلها وإيجاد سوق خارجية عربية أو دولية لتصريف الشرانق كما كان يحصل في الثلاثينات من القرن الماضي مثلاً، وبذلك تخضع هذه المادة لمسألة العرض والطلب في السوق العربية والعالمية».
ويدعو فرحات إلى تشجيع الشباب وتدريبهم في معاهد النسيج على تربية دودة القز وحل خيوط الحرير وحياكتها «وذلك للإقبال على هذه المهنة لكي يحلوا محل العمال المتقدمين في السن الذين يعملون على النول».
ويضيف: «لابد من تشجيع المزارعين على زراعة شجرة التوت، إضافة إلى إعطاء قروض لعمال النول لكي يقوموا بشراء كميات الحرير اللازمة وبالتالي تشجيعهم على متابعة عملهم كي لا تنقرض هذه الصناعة اليدوية، مع ضرورة قيام وزارة السياحة بالمزيد من معارض الصناعات اليدوية السورية في أنحاء العالم لجذب السياح لشراء المنتجات الحريرية».
دمشق ـ حسن سلمان
البيان




















