الردود الأميركية الفاترة والمضخّمة وكذلك الأوروبية الملتبسة، حول موضوع القرصنة الصومالية وتطوراته الصاخبة الأخيرة؛ تثير الكثير من الظنون والتساؤلات المشروعة. فيها ما يلفت من إشاعة أجواء العجز والتضخيم. كما فيها ما لا يخفى من الترويج المبطّن لخطر قرصنة مفتوح على المزيد.
أو ربما يراد له أن يبقى مفتوحاً، ولو إلى حين. نغمة تقاطعت عندها كافة التصريحات، التي أدلى بها المتحدثون الرسميون والعسكريون. وطبعاً، عندما يحكمها مثل هذا التجانس، لا يكون في الأمر صدفة ولا زلّة لسان. التعمّد فيها واضح، وليس بلا رسالة. إذا لم تكن رسائل.
منذ أن بدأت ظاهرة القرصنة تطفو على السطح، في الفترة الأخيرة، حرصت الردود الأميركية على التعامل معها بمزيج من الابتعاد عن ساحتها قدر الإمكان؛ ومن تكبير خطرها وتصويره وكأنه بات عصياً على التصدّي العسكري له. ثمة برودة واضحة في التعاطي معه.
عادة عندما تقع أعمال تنضوي تحت عنوان الإرهاب، كما هو حال خطف السفن في عرض البحار، يكون الخطاب الأميركي من عيار آخر؛ وبلغة أخرى على النقيض.
والملفت أكثر أنه حتى بعد اختطاف ناقلة النفط ـ والمتجهة إلى أميركا ـ، بقيت لغة الرد الأميركي على حالها. المتحدث الرسمي في البنتاغون، قال «حتى لو انتشرت كل القوى البحرية العالمية هناك، فهي لن تحل هذه المشكلة أبداً»! وكأن واشنطن قرّرت فجأة التخلي، بعد اليوم، عن خيار القوة لصالح خيار الحوار؛ في معالجة الإشكالات والمشكلات الدولية. أو كأنها تريد إقناع العالم وتتوقع منه أن يقتنع، بأن القرصنة الصومالية باتت عصيّة على التصدّي لها.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تفسير ما نسب إلى المتحدث باسم الأسطول الأميركي الخامس، قوله بأنه «لا نيّة لدى أميركا للتدخل، على الأقل في الوقت الحالي». يعني التدخل وارد، في وقت لاحق. ربما بانتظار نضوج ظروف معينة، تسعى من خلالها إلى ترسيخ ترتيبات جديدة.
المعروف أنه ما من مرة لاح فيها خطر يهدّد إمدادات السلعة الاستراتيجية، إلا سارعت واشنطن إلى التذكير، بل الإنذار؛ بأنها لن تسمح بتهديدها. هذه المرة اختارت، تعظيم الأمور وإرسال إشارات متضاربة؛ مع الابتعاد عن المسرح.
علامات استفهام كثيرة تحيط بموقفها. صحيح أن المسألة معقدة. لكن المعالجة لها مدخلان: صومالي، لإخراج هذا البلد من حالة التسيّب المستحكمة به، منذ انهيار دولته في التسعينات.
وأمني، بحاجة إلى تضافر الجهود، لتأمين سلامة الملاحة البحرية في هذه المنطقة الحيوية. وعلى دول المنطقة أخذ الدور الرئيسي في ذلك، قبل أن يخطفه غيرها.




















