من سمع ليس كمن رأى.. بكل تأكيد.. ومن يتضامن ليس كمن يتطوع.. وأيا كان، الحدث الجلل يتركك في عجز، لكن العجز لا يتناغم دوما مع الشلل، واحببت أن انطلق من هنا. لأن الإنسانية أيضا ليست عجزا، حتى لو ضاقت ذراعا. وحينما ننطلق من العجز الذي ليس شللا، لأن في العجز بقية الإنسانية، نُرقي قيمة التضامن والتآخي والتآزر.
طبعاً، مجرد الكلمات لا تسعف في زمن الكوارث.. والكوارث العظمى أكثر من غيرها، ومن يقف على مبعدة من عين المكان ولا ينتمي إلى طاقم أطباء أو فريق إسعاف أو جمعية خيرية، هو مخير بين أن يتابع الأخبار مكتوف الأيدي مشدوها، وأن يفكر في نمط آخر من التفاعل قد يكون التأمل. ثمة أديب فرنسي وقف عند المصاب الجلل، عند وقوع زلزال لشبونة سنة 1755، عندها كتب فولتير. كتب وطرح السؤال الجلل، سؤال «لماذا»؟
في قصيدة ضمت 234 بيتا، طرح فولتير المؤمن غير المتدين سؤال القضاء والقدر وطرحه بقوة، لم يجنب أيا من ركائز النقاش التي يمكن عطفها بما يجول طبيعياً في عقل من ما هو إلا بشر.
هنا، تلاقى الوتر الحساس للأديب الملتزم، مع الثقافة الموسوعية للرجل الضالع في الفلسفة، وهو الذي لم يكن يطيق نهج «الفيلسوف المتفائل» وكانت وقتها «موضة» العصر التي روجها ليبنتز. هل يعني ذلك أن فولتير كان متشائما؟ كلا! كان بكل بساطة آملا، متحدثا عن القضاء والقدر والمصير المحتوم، لكنه كان آملا. كان ليبنتز ينطلق من مقولته الشهيرة التي جعل منها مبدأ: «كل شيء على ما يرام في هذا العالم» فحسب نظريته، لا عالم أفضل من هذا العالم الذي يخضع فيه كل شيء لمبدأ الإلزامية، سببه مسبب (والمسبب حسب مصطلحات فلاسفة الوقت هو المسبب الذي حدده أرسطو أي (الله). لكن يوجد الشر في العالم يقول فولتير، لكنه يضيف أيضا: لا يمكن نسب الشر إلى الله، فالله لم يخلق الشر.
هنا، تبدأ القصيدة فتبرز أسئلة جوهرية: «كل شيء على ما يرام، تقولون! كل شيء لازم.
الإنسانية ليست عجزا، حتى لو ضاقت ذراعا.. وحينما ننطلق من العجز الذي ليس شللا، لأن في العجز بقية الإنسانية، نُرقي قيمة التضامن والتآخي والتآزر
ماذا؟ أترى الكون بأسره لكان على حال أسوأ لولا هذه الهاوية الجهنمية؟». «جهنمية»، لكن بالمعنى العام المتداول في اللغة، وليس الديني.. الزلزال ليس عقابا يرى فولتير.
«أمتأكدون أنتم أن السبب الأزلي الذي يصنع كل شيء، الذي يعلم كل شيء، الذي خلق كل شيء من أجله لم يكن ليلقي بنا في هذه المناخات الكئيبة، من دون وضع براكين مشتعلة تحت أقدامنا؟». كلا، إله فولتير ليس هو المسؤول عن هذه المناخات الكئيبة، ولا البراكين المشتعلة. ليس له مطبات ولم يتعمد إيقاعنا فيها. ثم يواصل كاتبنا، بل هنا، شاعرنا :«أهكذا إذن تحدون القدرة العظمى؟ أو تمنعونها من معاملتكم برحمة؟». أجل.. إله فولتير يترحم على الضحايا.. لقد خلقهم، لم يخلق مصيبتهم. «تصرخون بصوت كئيب: كل شيء على ما يرام، لكن الكون يكذبكم.. وقلوبكم مئة مرة كذبت تقديرات عقولكم «. الكون يكذبكم..».. وكأن فولتير يطرح الإشكالية البيئية قبل الأوان، وإذا كان القلب، أي مصدر الشعور والأحاسيس، يكذب تقديرات العقل، فلأن من يدعي في العلم فلسفة تغيب عنه أشياء، بعبارة أخرى تغيب عنه القدرة التفسيرية، كما تغيب في كل وجه من لا يملك مفاتيح الغيب.. أي نحن.. نحن بنو البشر. لفولتير الضليع في الفلسفة مؤاخذة جوهرية على الفلاسفة، وفي مقدمتها ليبنتز الفيلسوف الذي يدعي في الفلسفة تفاؤلا بالتمادي في نسب ما يرام إلى ما لا يرام، في إنكار الحقيقة بل استنكارها لائذا بالفرار في سراديب الخيالات.
«أجل. يجب الإقرار بأن الشر قائم على الأرض
لكن أصله السري غير معروف».
وهنا لب القصة، في أن ما يسميه فولتير «الشر» يحمل معنى موسعا، ليس دينيا بالضرورة وينطوي على شتى أنواع العوادي والمضرات والانتكاسات، بما فيها غضب الطبيعة الذي ليس انتقاما. ثم يروي فولتير قصة هذا الخليفة الذي يتضرع إلى ربه متوسلا.. لكن ليس متوسلا فقط.. « كان هناك أيام زمان خليفة يعيش ساعاته الأخيرة.. وقد تضرع إلى ربه بما يلي لا أكثر :أحمل إليك، أيها الملك الأوحد الذي لا تحده حدود.. كل ما لا تملكه في ملكوتك اللا حدودي.. العيوب، الندم، الأوجاع والجهل.. لكن كان بإمكان الخليفة أن يضيف: الأمل».
الأمل في وسط الشقاء، في قلب المصيبة الأعظم، يغنينا عن التفسير، ويغنينا عن فتح ملفات المسؤوليات التي لا جدوى من ورائها. قد لا يغنينا عن «المكتوب» كما يقال في دول عربية كثيرة، لكنه في المقابل يترك لكل إنسان مساحة لـ«يكتب» غده الأفضل.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
“القدس العربي”


























