المستقبل –
بعد سنة من إفلاس البنك الأميركي الشهير "ليمان براذرز"، الذي ألقى بالعالم في أزمة مالية واقتصادية لا مثيل لها، أجبرت زعماء وقيادات الدول الأكثر قوة في العالم – مجموعة العشرين التي تأسست عام 1999 وتضم وزراء مالية ورؤساء المصارف المركزية في أهم 20 اقتصادا في العالم – على عقد ثلاث قمم خلال عشرة أشهر، حيث عقدت أول قمة في واشنطن في نوفمبر 2008، والثانية في لندن في أبريل 2009، وعقدت الثالثة يومي 24و25 سبتمبر الماضي في بيتسبرغ بولاية بنسيلفانيا الأميركية لبحث أوضاع الاقتصاد العالمي ومستجدّات الأزمة المالية، ها هو الاقتصاد العالمي يعاود الإقلاع من جديد من خلال عودة النمو في كل من ألمانيا، وفرنسا، واليابان والولايات المتحدة الأميركية.
وبفضل الديناميكية العالية التي أبداها قادة مجموعة العشرين، استطاع هؤلاء أن يجنبوا العالم تكرار أزمة 1929، عبر ضخ آلاف المليارات من الدولارات لإنقاذ البنوك، والتخفيف من وقع صدمات الانكماش الاقتصادي. بيد أن هذا التدخل غير المسبوق من جانب الدول ترجم أيضا بتحليق عال للدين العام لا مثيل له، الذي بلغ بحسب مجلة "ذي إيكونومست" أكثر من 35 تريليون دولار، فيما قدّر صندوق النقد الدولي أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي القائم في أغنى عشرة بلدان في العالم سترتفع من 78% سنة 2007 إلى 114 %سنة 2014، بحيث تبلغ حصّة الفرد من الدين خمسين ألف دولار.
في الولايات المتحدة ولاسيما في قطاع المال، هناك بعض الأصوات التي تقول إن الأسوأ قد مضى، وأن أزمة عام 2008 لم تكن سوى تفجر فقاعة القروض، وأن التطهير قد تم حالياً، والأمور ستعود إلى سابق عهدها، ألم تسدد البنوك المساعدات الرسمية؟ وهل تمت إعادة العلاوات؟
الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية لا علاقة لها بالأزمة التي شهدها العالم سنة 1929، وهي ليست أزمة القرن العشرين الضائعة في القرن الحادي والعشرين: إنها الأزمة الأولى للعولمة الليبرالية، الناجمة عن قطيعتين رئيسيتين.
الأولى تعود إلى بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، حيث وضعت الثورة المالية الليبرالية البورصة في قيادة الشركات. وبذلك مأسست نمطا جديدا من الإدارة. فكفت الشركات أن تكون منظمات بالمعنى الدقيق على غرار ما كانت علية في سنوات 1950 حيث كانت تفضل المسالك المهنية الطويلة، وولاء العمال لشركتهم. إنها تستهدف من الآن فصاعدا الفعالية المباشرة، التي يحسب عندها الهدف المحدد، مهما نجم عنه من أمراض.
والثانية هي العولمة الليبرالية التي قلبت العالم رأساً على عقب، وسمحت للبلدان الناشئة بالولوج في مرحلة التصنيع ، الأمر الذي نتج عنه أثرين متعاكسين: انخفاض أسعار المنتوجات الصناعية وزيادة أسعار المواد الأولية .
في الواقع الأوروبي كانت دولة الرفاهة هي الجواب التاريخي لتداعيات الأزمة العامة للرأسمالية 1929 – 1933 ونهاية الحرب العالمية الثانية، حيث أخذت الدولة الحامية بالمذهب الذي يدعو إلى التدخل الرسمي في سبيل إنماء الإنتاج، والعمل على دعم الاستثمار والطلب والمناقشات المستمرة بين النقابات العمالية ومنظمات أرباب العمل، هذا الجواب الذي كان له تأثير بالغ في أوروبا خلال نصف قرن اصطدم بالثورة المحافظة أو الليبرالية الجديدة التي ترتكز على المقولة الأساسية التالية ما يفرزه السوق صالح، أما تدخل الدولة فهو طالح.
وقد اعتنقت معظم الحكومات الغربية هذه الليبرالية الجديدة مع بداية نهاية العقد السابع وبداية العقد الثامن من القرن العشرين، التي تقوم على فكرة أساسية تزعم أن الأسواق قادرة على تصحيح ذاتها وتخصيص الموارد بكفاءة وخدمة مصالح عامة الناس. وكانت أصولية السوق هذه بمنزلة الأساس لأفكار ونظريات رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر ورئيس الولايات المتحدة الأميركية الراحل رونالد ريغان الذي اشتهر بمقولته المأثورة: الدولة ليست الحل وإنما هي المشكل، وما أطلق عليه "إجماع واشنطن" لمصلحة الخوصصة والتحرير والبنوك المركزية المستقلة التي تركز على التضخم ولاشيء غير التضخم.
على الرغم من حرص الخبراء على التأكيد أن رأسمالية السوق مازالت هي الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق النمو الاقتصادي ولرفع مستوى المعيشة، إلا أنهم أصبحوا يدعون إلى إجراء إصلاح حقيقي لدعوة الرأسمالية المعولمة، ولدور المؤسسات المالية الدولية ولا سيما صندوق النقد، والبنك الدوليين لإنقاذ العالم، وإنقاذ العولمة من مخاطر سياسة تهدد الاستقرار العالمي، فقد بدأ كبار الاقتصاديين في العالم يتحدثون عن ضرورة إجراء اصلاحات حقيقية في دور المؤسسات المالية الأميركية والأوروبية لجهة حثها على عدم التعامل بشكل تقليدي مع الأزمة المالية العالمية التي أفرزتها الليبرالية الجديدة.
السؤال المطروح عالمياً في الوقت الحاضر، هل تستطيع فلسفة الليبرالية الجديدة إيجاد حلول للأزمات المتعاقبة والمتداخلة، أم ان العالم سيشهد عودة للدولة الكينزية الجديدة التي بدأت نذرها في الولايات المتحدة نفسها، وعدد من الدول الأوروبية، ولاسيما إذا ماتحولت إلى أداة في ترشيد العولمة، لكي تصبح أحد الحلول الرائدة لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وضمان الاستقرار السياسي في عالم القرن الحادي والعشرين؟!.




















