حين يعجز الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إرغام إسرائيل على تجميد الاستيطان في الضفة الغربية، فذاك لا يمكن ان يقلب الصورة كي يتسنى توقع قدرة البيت الأبيض على ما يتجاوز الاعتراض اللفظي في مواجهة تدشين اليمين الإسرائيلي المتطرف «معركة السيادة على المسجد الأقصى».
هذه «المعركة» ستكون الفصل الأكثر شراسة في مشروع تكريس يهودية الدولة العبرية التي ما زالت تقتنص من داحس والغبراء الفلسطينية – الفلسطينية أبشع الفرص لدفن قضية وطن وشعب.
ومن فلسطين والعراق ولبنان الى اليمن والسودان إذ يرخي طوق الأزمات قبضته على ما تبقى من النظام العربي، ليشيع الخوف من الآتي الأعظم، يأتي الاعتراف الأميركي بأن «النصر» في العراق لم يعد أكيداً، وقلق واشنطن من اشتداد ساعد «القاعدة» مجدداً في المنطقة، ليثيرا مسألة قدرة العرب على ملء الفراغ إذا انكفأت الولايات المتحدة. وواضح انه كلما زادت الخسائر في صفوف القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، كلما زادت احتمالات الانكفاء، ومعها الخوف من «هجوم مضاد» يشنه تحالف «طالبان» و «القاعدة» في منطقة قوس الأزمات. فمن يحتمل التعايش مع «دويلة» أو أكثر لـ «القاعدة» على حدوده؟
وإذا أضيف التحدي المتمثل بالاختراقات الإيرانية في دول عربية لمصلحة قوى سياسية وأحزاب على حساب الشرعيات، الى «معركة» يهودية إسرائيل وتهويد كل القدس، والتباطؤ الأميركي في تنفيذ وعود الرئيس باراك أوباما، لا تبقى مبررة «حيرة» المنطقة في البحث عما اذا كانت لا تزال لدى العرب فرصة لمنع تعميم الصوملة.
والحال ان الاعتراف الإسرائيلي ببدء «معركة السيادة» على الأقصى إذ يدفع الصراع مع إسرائيل وملف المصالحة الفلسطينية الى صدارة جدول أعمال القمة السعودية – السورية، فالقمة التي تجمع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس بشار الأسد ستتجاوز الانتقال من مرحلة التقارب بين الرياض ودمشق الى مرحلة التعاون، لتتعامل مع وسائل استكمال الجهود المصرية أو مساندتها لإنجاز اتفاق المصالحة بين «فتح» و «حماس» أواخر الشهر. ويمكن سورية ان تشدد على دورها في تشجيع خالد مشعل على قبول اقتراحات القاهرة، لتبدد شكوكاً مصرية سابقة حول تدخلات عربية (وغير عربية) عرقلت تلك الجهود لفترة طويلة، بعدما حالت دون تنفيذ اتفاق مكة المكرمة.
الأكيد ان القمة السعودية – السورية مِعلم بارز على مسار دفع المصالحات العربية، ومن شأنها ان تسهّل تحسين العلاقات بين دمشق والقاهرة والتي عانت ايضاً فتوراً، بل توتراً صامتاً لفترة طويلة. وإذا كان مبكراً توقع إحياء حرارة التنسيق السعودي – المصري – السوري على قاعدة مثلث الدول الكبرى العربية الذي يصون وحدة القرار العربي من الاختراقات، ويحميها في مواجهة التهديدات الإسرائيلية والأزمات الطارئة، ومشاريع الصوملة، فقمة دمشق – بعد زيارة الرئيس الأسد لجدة – ستساهم في إعادة تحديد الأولويات العربية، وعلى قاعدة مبادرة المصالحات التي أطلقها الملك عبدالله في قمة الكويت.
بين تلك الأولويات، كيفية إحباط المشروع العنصري لحكومة نتانياهو، أي تهويد القدس الشرقية والسيطرة على المسجد الأقصى، ما يعزز استبعاد الاستجابة العربية لدعوة أوباما الى خطوات «لتشجيع مسار السلام»… علماً أن السعودية رفضت تقديم اي تنازل لإسرائيل، ما دامت لا تقبل المبادرة العربية للسلام، أي مرجعية القرارات الدولية. والموقف السوري معروف، بعدما أغلق نتانياهو البوابة التركية لمفاوضات غير مباشرة مع دمشق.
وبين الثوابت التي يُفترض ان تساعد في إعادة تحديد أولويات التحرك العربي، بالتالي إحياء التنسيق السعودي – المصري – السوري، منع تفتت العراق، والاستعداد لكل الاحتمالات في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من هذا البلد. أسوأ هذه الاحتمالات، ان توقد اصابع الخارج نار الفتنة بين العراقيين مجدداً، فتنتهز «القاعدة» تشرذمهم لإنشاء «دويلة» تنشر الخراب في المنطقة.
وأما لبنان الحاضر دائماً بأزماته وتأرجحه ساحةً لتنفيس الصراعات الإقليمية، فسيكون بين ملفات القمة السعودية – السورية، واحداً من الثوابت الملحة لمنع انزلاقه الى فتنة، يتعذر تطويق شراراتها. وإذ تبدو معادلة «س- س» في مرحلة إنعاش، بفضل مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يبقى تثبيت التوافق على ترك اللبنانيين يعالجون خلافاتهم بالحوار، وتثبيت تعوّد سورية على لبنان مستقل الإرادة والقرار… ما يفرض الانتقال الى ترسيم الحدود، بدلاً من ربطه بمصير التفاوض مع إسرائيل.
كل تلك الملفات، يفرض عبئاً ضخماً على جدول أعمال القمة السعودية – السورية التي ستشجع مصالحات بين دول عربية، دونها يبقى الجميع تحت سقف التخبط في مستنقع الأزمات، فيما القوى الإقليمية تتضخم بتحويل هذه الأزمات صراعات في الداخل العربي، لا على الحدود، ولا على مرجعية القرار… ولا مع إسرائيل لإنقاذ فلسطين.
الحياة




















