(وزير ونائب سابق عن حزب العمل)
الوضع في القدس قد يكون مضللاً. فهو قابل للإنفجار. فالتقدير المتفائل الذي يشير إلى أن "الأزمة ستنتهي بعد انقضاء فترة الأعياد" ليس مؤكداً. لكن كي نعرف كيف نعالج الوضع، يجب علينا تحليل الأحداث في الحاضر والمستقبل.
ثمة نزاع عميق ـ قومي وديني، بيننا وبين الفلسطينيين. العقلاء بيننا يحاولون توجيه النزاع وحلوله باتجاه السكك القومية، وليس باتجاه السكك الدينية. صحيح أن النزاع القومي ايضا صعب ويفرض على الطرفين التنازل عن أحلام، أماني ورؤى. لكن النزاعات القومية تجد لها حلولاً في كل الكرة الأرضية تقريباً. ومع أن حلها لا يحولها قصة حب وغرام، ويوجد وضعاً صعباً وإشكالياً، لكنه يضع حداً للحرب الدامية.
النزاع الديني أكثر خطورة بكثير، وثمة صعوبة اكبر في إيجاد حل له. لكن هناك من يحاول أن يُضفي على النزاع طابعاً دينيًا، غير عقلاني، مليء بالمسوغات المستمدة من الكتب المقدسة وبالتطلعات الدفينة لتجديد العرف الذي كان سائداً هنا قبل آلاف أو مئات السنين.
أنا أعرف الشيخ رائد صلاح معرفة جيدة. لقد التقيته أكثر من مرة. فهو شخص خطير، عدو للتعايش بين الشعوب. ومن بين العرب في إسرائيل، يُعتبر صلاح القوة المحركة التي تحاول أن تحوّل جوهر النزاع مواجهة دينية بين الإسلام واليهودية تحت الشعار العبثي "حماية مسجد الأقصى".
لكن الشيخ صلاح ورفاقه ليسوا الوحيدين. فاليمين المسيحاني ( الخلاصي) عندنا يُقدس أيضاً بناء الهيكل ويعتقد بـ"تجديد مملكة إسرائيل الثالثة". ويشترك اعضاء هذا اليمين في الرغبة بتحويل الخلفية القومية للنزاع وقلبها إلى خلفية دينية لا يمكن التحكم بها. فالشيخ صلاح ومؤيدوه يرفضون أي تسليم بدولة إسرائيل. وهم لا يُرجحون كفة المفاوضات، بل يتطلعون لتأجيج العالم الإسلامي وتأليبه ضد ما يسمونه "تهويد القدس". واليمين المتطرف أيضا يعرف أن تأجيج الخواطر وإثارة مشاعر حشود المسلمين سيضع حداً لكل محاولات إنهاء النزاع بواسطة اتفاق سلام. ذلك أنه لا اتفاق بين الأديان، بينما يُحتمل التوصل إلى اتفاق بين الشعوب. لكن يجب على الجمهور العاقل ـ من اليمين واليسار والوسط ـ أن يتحد حول الرأي القائل بأن علينا الحيلولة دون إمكان حصول تصعيد بين الأديان.
ثمة من يقول إنه إذا تنازلت إسرائيل عن تطبيق حقها في القدس والحرم القدسي، فإنها ستُلغي بذلك مبرر وجودها. ويعتقد هؤلاء أنهم سينجحون في فرض رأيهم على الرأي العام في العالم وفي إسرائيل. لكنهم مخطئون. ذلك أن ضم شرق القدس إلى دولة إسرائيل كان خطوة مقبولة على غالبية الجمهور الإسرائيلي، بما في ذلك أولئك الذين اعتبروا أن حرب العام 1967 "بداية الفرج"، إضافة إلى العلمانيين الذي قالوا إن "توحيد المدينة ضرورة الساعة". لكن توحيد المدينة بقي مصطنعاً وغير حقيقي. فهو افتقر إلى الاعتراف الدولي، وأحدث فجوة غير ممكنة بين الفلسطينيين الذين يسكنون في القدس الشرقية وبين رفاقهم وعائلاتهم في رام الله ونابلس. ولم يساعد توحيد المدينة في تعزيز مكانة إسرائيل بالعالم، ولا في المنطقة ولا في داخل دولة إسرائيل.
الخطر يتربص بالطرفين. ابو مازن، الذي يشعر بالأجواء السائدة في أوساط شعبه، بدأ يُشدد من نبرته ضد نشاطات إسرائيل في القدس، وهذا دليل على أنه يمكن للعناصر غير العقلانية أن تخلق حالة طوارئ بحيث أن كل من يتنصل منها يُعرض مكانته للخطر. لذلك، من المناسب العمل بحكمة وأن نتذكر بأننا دولة صغيرة موجودة في قلب العالم العربي. لدينا مصلحة في منع اشتعال الحريق الديني، الذي لا يعرف أحد نهايته.
(إسرائيل اليوم 7/10/2009)




















