سميح صعب
يوماً بعد يوم تضيق الخيارات امام الفلسطينيين. فجهود المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل وصلت الى طريق مسدود بعد رفض اسرائيل تجميد الاستيطان او مقاربة قضايا الوضع النهائي. ووزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان يعبر عن حقيقة الموقف الاسرائيلي بلا مراوغة او مناورات حين يؤكد ان السلام الشامل مع الفلسطينيين مستحيل وان الحديث عن احتمال التوصل الى اتفاق معهم مجرد "اوهام".
ولم يترك الموقف الاسرائيلي الرافض للمفاوضات، وغياب الضغط الاميركي على تل ابيب لحملها على تجميد ولو موقتاً للاستيطان، للفلسطينيين رؤية الضوء في آخر النفق، لذلك بات الحديث عن انتفاضة ثالثة امراً محتملاً يبحث عن توقيت فحسب، وما يحدث في القدس منذ ايام يحمل في طياته نذر مثل هذه الانتفاضة.
ولأن الفراغ الناجم عن غياب عملية السلام يغذي احتمالات تفجر الموقف، لاحت امام الفلسطينيين بارقة أمل متمثلة بتقرير غولدستون الذي يشكل للمرة الاولى ادانة صريحة لاسرائيل. ومن هنا كان كل هذا الاعتراض الذي تفجر في وجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي ارجأ مناقشة احالة التقرير على مجلس الامن قبل ان يعود الاخير عن قراره ويطلب من مجلس حقوق الانسان عقد جلسة طارئة لتصحيح القرار الخاطىء بالتأجيل.
وعلى رغم ان أحداً من الفلسطينيين او العرب لا يحدوه الامل في أن يشكل تقرير غولدستون رادعاً لاسرائيل عن شن حروب جديدة، فإن مما لا شك فيه ان التقرير لو سلك طريقه الى نهاية الدرب، الى حيث يجب ان يصل، أي الى المحكمة الجنائية الدولية، فإن ذلك سيجعل اسرائيل تفكر الف مرة قبل ان تتخذ قراراً بشن حرب جديدة او ارتكاب مجازر جديدة.
وتزيد الحكومة اليمينية المتشددة في اسرائيل من احباط الفلسطينيين باحتمال التوصل الى اقامة دولتهم المستقلة في المدى المنظور. كذلك كانت خيبة الفلسطينيين كبيرة بعدم قدرة الرئيس الاميركي باراك اوباما على ممارسة ضغط على الدولة العبرية، لا بل كانت اسرائيل هي من مارس الضغط على اوباما الذي أسهب في الحديث عن السلام، فأتاه الجواب على لسان افيغدور ليبرمان الذي قال إن شأن ذلك "جرّنا الى نزاع عام".
وبعدما نجحت اسرائيل في امتصاص اندفاع اوباما نحو احياء عملية السلام، ها هو ليبرمان نفسه يتحدث عن استراتيجية جديدة لوزارة الخارجية الاسرائيلية تتجاهل بالكامل وجود مشكلة فلسطينية، أي ان اسرائيل ستتعامل مع العالم على اساس عدم وجود مثل هذه المشكلة بما يعنيه ذلك من الغاء تام للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ومن شأن هذا كله ان يتسبب بمزيد من احباط الفلسطينيين وحملهم على التسلح بكل ما يدين اسرائيل ويظهرها بأنها دولة ترتكب جرائم حرب بدم بارد. وبات تقرير غولدستون سلاحاً قانونياً لملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين. وبمجرد ظهور التقرير منع وزير الدفاع ايهود باراك الضباط الكبار من السفر الى الخارج خشية تعرضهم للاعتقال بفعل دعاوى مرفوعة ضدهم من منظمات حقوقية. وكان باراك نفسه عرضة للاعتقال في بريطانيا قبل ايام.
لكن تقرير غولدستون لن يشكل بديلاً من عملية سلام شاملة من مسؤولية الولايات المتحدة قبل غيرها العمل على استئنافها قبل ان ينفجر برميل البارود في الشرق الاوسط. وفي امكان اسرائيل ان ترجىء قيام دولة فلسطينية، ولكن لن يكون في امكانها منع الفلسطينيين من سلوك شتى السبل للوصول الى هذه الدولة.
وبقدر الآمال الكبيرة التي علقت على اوباما يبدو حجم الخيبة كبيراً لدى الفلسطينيين. بالامس منح اوباما جائزة نوبل للسلام. لكن السؤال اين هو هذا السلام؟




















