ذهبت جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس باراك اوباما لما حققه في مجالي الديبلوماسية والتعاون بين الشعوب، بحسب بيان اللجنة المانحة. لكن ذلك لا يلغي، ويجب ألاّ يلغي، الحقائق المريرة المرافقة للأشهر التسعة المنقضية من ولايته.
فالتقدم الموعود نحو السلام في الشرق الأوسط لم يتحقق، بل يدفع تكثيف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية ومعركة «السيادة على القدس» الى الاعتقاد ان وعود اوباما التي قطعها في خطابه في جامعة القاهرة، ارتطمت بجدار الواقع الصلب في منطقتنا التي ترتسم فيها حدود شديدة الوضوح تفصل بين الحيز الذي يفلح فيه العمل الديبلوماسي وبين ما لا تغيره سوى موازين قوى تنطوي على مقادير من العنف غير قليلة.
كذا الأمر بالنسبة إلى الانسحاب من العراق الذي تجددت فيه العمليات الإرهابية الواسعة النطاق فور إعلان خطة انسحاب القوات الأميركية من المدن. ما كشف أن سهم الاحتلال في العراق لا يكاد يذكر مقارنة بسهم القوى الممسكة بخيوط المفجرين الانتحاريين في تحريك الوضعين الأمني والسياسي في البلاد. إغلاق معتقل غوانتانامو يكشف عن معضلات قانونية وإدارية ما كانت لتكفي النيات الطيبة في إخفائها.
أما في أفغانستان، فتواجه إدارة اوباما خياراً صعباً حدّاه هما الهزيمة أمام «طالبان» أو دفع ما يقارب الأربعين ألف جندي لتحقيق النصر في حرب غير شعبية وغير مفهومة للعديد من الأميركيين. يضاف إلى ذلك، سقوط المزيد من القتلى المدنيين الأفغان بنيران قوات التحالف التي لم يبرحها الإرباك والتردد في صراعها مع «طالبان» من جهة وفي فشل كل الجهود التي بذلت لجعل السلطة الأفغانية تقف على قدميها، من الجهة الثانية.
لا ينفي ما تقدم صحة ما قالته لجنة الجائزة عن نجاح أوباما في تحسين المناخ الدولي. فقد تراجعت مخاطر قيام الولايات المتحدة بضرب المنشآت النووية الإيرانية وحصل تقدم مهم في العلاقات مع روسيا بعد إلغاء مشروع الدرع الصاروخية الأميركية. ودعوة أوباما إلى عالم خال من الأسلحة النووية ليست تفصيلاً هامشياً عندما تصدر عن رئيس دولة يرتبط أمنها الإستراتيجي بوجود ترسانة ضخمة من القنابل والصواريخ والغواصات النووية.
ثمة ما يتعين إدراكه هنا وخلاصته أن الرئيس الأميركي نجح في النواحي التي كان تشنج الإدارة السابقة قد حولها الى نقاط تماس. في الموضوع الايراني على سبيل المثال، لم يستسغ فريق جورج بوش تلك النزعة الايرانية الى التسويف والمماطلة، فيما يبدو ان إدارة اوباما لا تمانع في ملاحقة الذرائع الايرانية واحدة بواحدة واظهار الاستعداد لتصديق طهران وترك الوقائع تظهر صحة حجج الايرانيين او خداعهم. كما تقدم أوباما في المناطق التي يبدو ان موازين القوى متقاربة فيها، على غرار التوازن النووي مع روسيا.
اعتبر متحدث باسم لجنة نوبل ان الجائزة مُنحت الى الرئيس الاميركي لما حققه حتى الآن وليس لما يُنتظر منه تحقيقه في الاعوام المقبلة من حكمه. وإذا كان الإقدام على تغيير الأجواء التي تركتها إدارة بوش في ذروة التوتر، خطوة كبيرة في اتجاه احلال الحوار مكان التهديدات والإنذارات، إلا ان معالم الطريق التي سيسلكها أوباما في اعوامه المقبلة صارت أوضح من السابق وليس سراً ان الإنجازات فيها لن تكون كبيرة، أو على الأقل، لن تكون بحجم الآمال التي عقدت على الرئيس.
"الحياة"




















