مخطئ من لا يزال يظن أن المؤسسات الدينية الإسلامية التقليدية ما تزال تملك سلطة بالمعنى الديني أو الاجتماعي. فشيخ الأزهر، وهو أعلى سلطة دينية في الإسلام السني، ما استطاع أن يمون على فتاة بالمعهد الديني التابع للأزهر، أي له، بأن لا ترتدي النقاب في الصف الدراسي، الذي لا تحضر فيه غير زميلاتها الفتيات، والمعلمات الاناث! وما اقتصر الأمر على ذلك، بل هاجت في وجهه عاصفة هوجاء في وسائل الإعلام المتعاطفة مع الإسلاميين، وفي الدوائر الدينية المتشددة من الاخوان الى السلفيين ، مما اضطر المجلس الأعلى بالأزهر للاجتماع، وإصدار بيان القاه شيخ الأزهر بنفسه نفى فيه الارغام، انما اعتبر أن النقاب ليس فرضاً ولا واجباً، ولا معنى له بالنسبة لطفلة (13 سنة) في مدرسة دينية للفتيات لا يراها فيها الرجال ولا الصبيان!
إن المعروف أن الأزهر عانى في العقدين الأخيرين من هجمات وتدخلات من ثلاث جهات: العلمانيين والليبراليين الذين اعتبروا دائماً أن الأزهر يتدخل في حرية التعبير والكتابة، ويهضم حقوق المرأة، ويجامل الإسلاميين المتطرفين والإسلاميين الحزبيين الذين اعتبروا الأزهر مستتبعاً من السلطات، ومقصراً في حقوق الدين، وحماية أعرافه من اهتضام السلطات والعلمانيين والسلطات نفسها، التي تعتبر جهات فيها الأزهر رجعياً أو محافظاً، ولا يساير الخطوات التقدمية والتنموية التي تقوم بها الدولة!
ولا شك أن "مرجعية" الأزهر الدينية والثقافية تعاني من ضعف شديد سببه في الأساس، تراجع المستوى الثقافي لعلماء الأزهر وطلابه. فالمعروف أنه عند علماء أهل السنة، ليست هناك هرمية مقررة مثلما هي عند علماء الشيعة من خلال "مراجع التقليد".
وقد ازدادت سطوة رجل الدين الشيعي بعد وصوله الى السلطة في إيران على اثر الثورة الإسلامية هناك. أما عند السنة، فإن مرتبة المرجعية (ودائماً غير الرسمية وغير الهرمية) لا تبلغ إلا بالكفاءة العلمية الكبيرة، وبالنزاهة الشخصية، وبالعمل المترفع في قضايا الشأن العام. وقد عانى الأزهر من تغوّل السلطات عليه خلال قرن ونصف، بحيث سلبت منه أكثر المجالات التي كان علماؤه متنفذين فيها. وكانت نتيجة ذلك انكماشهم في الزاوية الدينية البحتة والتفصيلية. لكنهم لم يبقوا أيضاً مستقلين بها، بل نافسهم بقوة الإسلاميون الجدد الذين مزجوا الدين بالسياسة، أو انهم استخدموا الدين لبلوغ أهداف سياسية، فبدوا أكثر حرصاً على الإسلام من الأزهر ومن السلطات معاً. وكانت ردة فعل الأزهريين متفاوتة على هذه التطورات. فمنهم من تمسك بمهماته الدينية والشعائرية، ومنهم من أقبل على المزايدة على الإسلاميين أو على الدولة رجاء الاستبقاء على بعض الشعبية والمرجعية.
وشيخ الأزهر الحالي، بخلاف السابق، ليس شديد الحرص على الاستقلالية عن السلطات، لكنه أيضاً لا يستتبع نفسه لأحد، ويحاول في أكثر الأحيان أن يسلك طريقاً وسطاً إدراكاً منه لمهمته الأصلية،( الشأن الديني الذي يشمل أمرين: العبادات والتعليم الديني)، ولكي لا يصطدم بالسلطات أو بالإسلاميين الجدد. ومهمته الاصلية هذه هي التي دفعته الى الإصرار في السنوات الأخيرة على أن النقاب ليس من الدين، وعلى أن الحجاب إذا كان يضر بالمصالح الكبرى للمسلمين في المجتمعات الغربية، فإن المصلحة والضرورة تقتضيان التنازل عنه ولو الى أمد.
بيد أن المجتمع وإسلامييه، ولأسباب رمزية وسياسية وسلفية، مضوا خطوات الى الأمام تجاوزت شيخ الأزهر، وحتى بعض الإسلاميين الجدد الكبار مثل الشيخ يوسف القرضاوي، ولا شك أن هذه موجة عالية وعاتية لكنها عارضة. إنما غير العارض هو موقع المؤسسة الدينية السنية في الحاضر والمستقبل بين الدولة والمجتمع، والوضع الذي تستقر عليه التيارات الدينية الجديدة، والتي صبغت الإسلام بصباغ آخر، وجعلت له أولويات أخرى، ولا أحسب أنها ستزول أو تتراجع. فالذي يتراجع هو التشدد المقترن بالعنف والذي بلغ ذروته في السلفية الجهادية (القاعدة)، أما الشعائريات والرمزيات وأمور الحياة الخاصة، وربط الشأن العام والشأن الخاص بالدين وشعائره، كل ذلك لن يزول، وإن لم يستقر بعد على صيغة. فماذا تفعل المؤسسة الدينية إزاء هذا الواقع؟ وبخاصة أن المؤسسة الدينية نفسها قد اخترقت من خلال بعض شبانها وكهولها من جانب الإسلاميين الجدد غير العنيفين، لكنهم مصممون ولا يتراجعون. ثم ما العمل مع العلاقة بالدولة، أو ما هي الخيارات المطروحة بشأن صلاحيات المؤسسة وقدراتها؟ ما عاد يمكن لهذا الدين العملاق أن يُدار بهذه الطريقة. فالمؤسسة عاجزة، والدول تزيدها عجزاً. والإسلاميون يتغلغلون في أطرافها وصولاً الى قلبها. فلا بد من إصلاح راديكالي، يحولها في كل دولة الى جهة من جهات المجتمع المدني الكبرى والمؤثرة. وهي بالحريات التي تتوافر لها في الوضع الجديد، ستطور رؤيتها ورجالها، وتعيد النظر في مهامها. أما في الوضع الحالي، فإن العجز والفوضى والتشرذم سيستمر ويتفاقم، وستظل المؤسسة عرضة للتناهش بين الدولة والإسلاميين.
"المستقبل –"




















