– القدس
قدرة إسرائيل الدائمة على الهروب من النقد الحقيقي لتصرفاتها قد تكون أحد أكثر جوانب الإحباط في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. وفي المقابل فإن قيام حكومة الرئيس أوباما بخلق مساواة مفبركة بين التصرفات الفلسطينية والإسرائيلية يسيء للعملية السلمية ويخرجها عن مسارها.
لقد قام الرئيس أوباما في الأمم المتحدة، وبشكل غير عادل بتأنيب كلا الزعيمين الإسرائيلي والفلسطيني وبشكل متساوٍ رغم الاختلاف الواضح في التزام الطرفان لمتطلبات السلام.
كان مطلوباً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا التي تشكل اللجنة الرباعية، تقويم أداء الطرفين لأدوارهم في "خريطة الطريق" المستندة إلى حل الدولتين الدائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ولكن ما قام به اوباما كان منحازا وبشكل سافر.
المرحلة الأولى من "خريطة الطريق" والتي اعتمدت في مجلس الأمن الدولي من خلال القرار رقم 4862 أيار عام 2003، تدعو الفلسطينيين لضمان وقف العنف في حين أنه يتوقع من إسرائيل أن تنسحب من جميع المناطق التي احتلتها في تشرين الاول عام 2000، وأن تقوم بتفكيك نقاط التفتيش، وتجميد جميع الأنشطة الاستيطانية، بما في ذلك النمو الطبيعي.
أوباما مدح، في تصريحه العلني أمام الرئيس الفلسطيني عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، الفلسطينيين في تقدمهم في المجال الأمني،كما شكر الإسرائيليين لتسهيلهم تحرك الفلسطينيين، وقام بعدها بالقول ان إسرائيل "ناقشت الخطوات المهمة لضبط النشاطات الاستيطانية، بينما لا تزال بحاجة إلى أن تترجم هذه النقاشات وغيرها من القضايا واقعاً ملموساً. ثم انتقد الفلسطينيين لأنهم "لم يتقدموا إلى الأمام في المفاوضات" ولم يفعلوا ما فيه الكفاية "لوقف التحريض".
لقد ارتكب أوباما خطأ في محاولته أن يبدو متوازناً، حيث شجعت كلمته الطرف الإسرائيلي المعتدي على التعهدات الدولية، في حين تناسى بشكل علني التزامات الطرف الفلسطيني.
لا شك في أن الأداء ألفلسطينيي في المجال الأمني قد تحسن، وقد صرح بهذا كبار المسؤولين الإسرائيليين. من جهة أخرى لم تنسحب إسرائيل إلى حدود تشرين الاول 2000، وفشلت في تفكيك المستوطنات الموقتة، وبدلاً من تجميد الاستيطان أقرت حكومة نتنياهو بناء المئات من المباني الجديدة بينما وضعت اللمسات الأخيرة لآلاف الوحدات السكنية التي كانت الحكومة السابقة بدأت العمل على بنائها. وأثناء ذلك كله، تستمر الممارسات الاستفزازية ضد الفلسطينيين المقدسيين.
إنه مما يثير السخرية أن يُنتقد الفلسطينيون لعدم التقدم الى الامام في مفاوضات "خريطة الطريق" – وهي اللعبة الوحيدة المتوافرة حسب قول القوى الغربية – هذه الخريطة هي التي تدعو الى تأخير في المفاوضات حتى استكمال المرحلة الأولى.
منذ أن وصل أوباما إلى سدة الحكم صرح مراراً وتكراراً كما صرحت وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون، بأن على إسرائيل أن تجمد كل النشاطات الاستيطانية كمقدمة لمفاوضات الوضع الدائم.
وقد تبنى الفلسطينيون هذا الموقف ومع هذا، فإن إدارة أوباما لم تقم فقط بالإذعان للإسرائيليين في موضوع الاستيطان، ولكنها انتقدت الفلسطينيين رغم أن السلطة الفلسطينية التزمت بروح "خريطة الطريق" وحرفيتها.
ربما تكون أسوأ حالة مقارنة مفبركة كانت في كلمات أوباما حول التحريض الفلسطيني، فإما أن يكون الرئيس الأميركي قد حصل على حقائق خاطئة، أو اعتمد على معلومات فات أوانها.
إن المؤسسات التعليمية الفلسطينية، وكذلك محطة التلفزيون الرسمية لم تظهر أي أمر له علاقة بالتحريض، وقد أمر محمود عباس عند توليه منصب الرئاسة، بإجراء تحول كبير في التلفزيون الفلسطيني. لقد عبر كل من الوكالة الأميركية للتنمية وكبار المسؤولين الأميركيين خلال السنوات القليلة الماضية عن فائق رضاهم من أداء وزارة التربية والتعليم الفلسطينية وطالبوا جميع الممولين العمل بشكل وثيق مع الوزارة.
كما شهدت السنوات الماضية تصريحات قوية لام فيها عباس علنا "عسكرة الانتفاضة"، وانتقد بحدة مرارا وتكرارا الهجمات الصاروخية لـ"حماس" ووصفها بالـ "أعمال الحمقاء". وخلال المؤتمر السادس الأخير لـ"فتح"، أعلن عباس صراحة رفضه المقاومة العنيفة للاحتلال ودعمه الدبلوماسية. فبدل من التحريض ضد إسرائيل وصل التغيير في التلفزيون الفلسطيني الى درجة السخرية من الرئيس والحكومة الفلسطينية. فخلال شهر رمضان الفائت، مثلا، تابع الفلسطينيون برنامج ساخراً على تلفزيون فلسطين سخر من الرئيس ورئيس الوزراء وكذلك من "حماس" وحركة "فتح".
وبسبب مواقفهما ومخاطرتهما فإن عباس ورئيس الوزراء فياض يتهمان باستمرار من قبل "حماس" لانتهاجهما الديبلوماسية وقيامهما بالتعاون الوثيق مع الأمن الأميركي والإسرائيلي.
أصدر دانيال كيرتزر، السفير الأميركي السابق في إسرائيل، وسكوت لازنسكي اخيراً كتيبا يحتوي على عشرة دروس حول كيفية تعامل الولايات المتحدة مع منطقة الشرق الأوسط، جاء في الاقتراح الخامس، "إنه على الولايات المتحدة ضمان الإذعان من طريق الرصد، ووضع معايير المساءلة، وإبلاغ الطرفين عن الانتهاكات بطريقة عادلة، وتصويب العواقب عند كسر الالتزامات أو عدم تنفيذ الاتفاقات".
كان الرئيس أوباما على حق عندما تحدث علنا ضد تباطؤ عملية السلام، ولكن بدلا من المقارنة المفبركة لمصلحة "توازن" ملفق، كان يتعين على الرئيس الأميركي وببساطة تقديم أدلة تشير إلى الطرف المسؤول عن التأخير، وإذا أراد أن يكون هناك تقدم نحو السلام في الشرق الأوسط، فيجب عليه أن يمتلك الشجاعة السياسية لوضع اللوم على التعنت الإسرائيلي. وخلاف ذلك، سيضطر الفلسطينيون والعرب إلى أن يستنتجوا، على الرغم من الكلمات البليغة، أن هذا الرئيس لا يختلف كثيرا عن سابقيه.
(كاتب فلسطيني – القدس المحتلة)
النهار




















