هناك من يقول ان الجيش الاسرائيلي هو افضل جيش في العالم. هناك من يدعي بان لعله ذات مرة كان كذلك، ولكن مذذاك سمن وبات يركل. على شيء واحد لا يوجد جدال: الجيش الاسرائيلي هو مجموعة الضغط الاقوى في الدولة. اذا كان الجيش يريد شيئا ما، فانه يحققه مهما يكن. وليس مهما الثمن وليست مهمة الظروف. اراد 1.5 مليار شيقل اخرى، وحصل عليها.
كل سنة يجري في الحكومة الجدال التقليدي حول موازنة الدفاع. في هيئة الاركان يستعدون له على مدى اسابيع. في اليوم المقرر يدخل الى جلسة الحكومة وفد من 20 ضابطاً كبيراً مزودين بالحواسيب النقالة المتطورة. يخفتون النور ويعرضون على الشاشات عروضا ملونة، اشرطة متنوعة وتقديرات استخبارية مخيفة مرفقة باسهم حمر، كلها موجهة مباشرة الى قلب البلاد.
وهم يشرحون للوزراء بان التهديد حولنا ازداد. وهو دوما يزداد. حتى بعد السلام مع مصر وكذا بعد السلام مع الاردن، وكذا في اثناء الحرب الايرانية العراقية. ذات مرة جاء التهديد من ناصر. وبعد ذلك من مناورات الجيش السوري، ولاحقا من صدام حسين. اما الان فيقوم احمدي نجاد بتوفير التخويف الاكبر – النووي.
وهم يطرحون على الحكومة بالتفصيل كل التهديدات، وبعد ذلك يقول رئيس الاركان: "اذا لم تقر طلباتنا، فان المسؤولية تكون عليكم". والوزراء يجلسون منطوين من الخوف ومستعدين في ذات اللحظة لان يعطوا رئيس الاركان حتى رواتبهم الشخصية، على أن يتوقف فقط.
المناورة الاخيرة – اضافة 1.5 مليار شيقل الى موازنة الدفاع بعد شهرين ونصف الشهر من اقرار الموازنة في الكنيست – نفذوها بأسهل ما يكون. إذ وقف امامهم رئيس وزراء مصاب بالفزع ووزير مال لا يحلم بالوقوف في وجه سيده. فقط قبل أربعة اشهر طلب يوفال شتاينتس تقليص 3 مليارات شيغل من ميزانية الدفاع؛ فكيف نجده الان يدافع عن العلاوة؟
حسب تقرير برودت، ينبغي للجيش أن يقلص الموازنة لان النمو هذا العام سيكون اقل من 1 في المئة. ولكن الجيش ليس فقط لم يقلص بل تلقى علاوة. من هذا بالذات خشينا ان تصبح علاوات تقرير برودت أرضية لا يمكن الا الصعود منها.
موازنة الدفاع ستكون هذا العام 48.6 مليار شيقل، و 53.2 مليار شيكل في العام المقبل – وهي الاعلى في تاريخ الدولة. في داخل موازنة هائلة كهذه توجد مرونة عظيمة، الكثير من التطويرات، الكثير من المخططات للمدى الطويل التي يمكن تأجيلها – اذا كانوا يريدون 1.5 مليار شيقل لهدف معين. ولكن الجيش يريد كل شيء: ان يواصل كل المشاريع، وان يشتري الطائرة الاكثر ثمنا في العالم، وان يحافظ على شروط الخدمة الاستثنائية لرجال الخدمة الدائمة وان يسمح لهم بتسريح وتقاعد في سن 42 وان يواصل البعثات الامنية الفاخرة في نيويورك وواشنطن وباريس وبروكسل وبرلين والا يقلص لا سمح الله في سلسلة طويلة من الملحقين العسكريين في ارجاء المعمورة – ترتيب عمل للمقربين، كله في آن واحد.
مصادر أمنية مغفلة الاسم قالت هذا الاسبوع ان علاوة الميزانية تنبع من "تطور دراماتيكي". هذه هي الطريقة: كلمات مخيفة بدون تفسير، بهدف ادخال الحكومة وكل بيت اسرائيل في حالة فزع.
قبل اسبوعين فقط قال ايهود باراك ان "ايران لا تشكل تهديدا وجوديا على اسرائيل". قبل اسبوعين فقط قال: "انا اعارض الفزع". اما الان فهذا بالضبط ما يفعله.
باراك يتحدث بين الحين والاخر عاليا عاليا عن اهمية المجتمع والرفاه. وبين الحين والاخر يذرف دموع التماسيح على المصير المرير للضعفاء والفقراء. اما عمليا فهو يمس بهم المرة تلو الاخرى. إذ أنه من اجل الحصول على 1.5 مليار شيقل ينبغي تقليص مراكز التعليم للتلاميذ الضعفاء، في ساعات التعزيز للتلاميذ الذين يواجهون مصاعب تعليمية. في المراكز العلاجية للجيل الغض، والشبيبة المتعرضة للمخاطر، وفي موازنات البحث والتطور، وفي التأهيل المهني، وفي التعليم التجاري، وفي استيعاب المهاجرين، وفي حفظ النظام في المدن وكذا في الصحة. عندما أقر تقرير برودت في الحكومة تعهد الجيش برفع خطة نجاعة بمبلغ 30 مليار شيقل لعشر سنوات. وكان يفترض بالخطة ان تكون مقبولة من وزارة المال ومقرة من مجلس الامن القومي، ومرفوعة للحكومة في تشرين الثاني 2007، ولكنها لم ترفع ابدا. في بداية ايار تعهد رئيس الاركان غابي اشكنازي بان يطرح على الحكومة في غضون أربعة اشهر خطة متفقا عليها لرفع سن التسريح في الجيش الاسرائيلي، اذ لا يوجد سبب اقتصادي يدعو في وزارة الدفاع الى الخروج على التقاعد منذ سن 42. يمكنه أن يواصل العمل حتى سن 67، مثل كل اقتصادي آخر. ولكن الاشهر الاربعة مرت، واشكنازي لم يطرح على الحكومة أي خطة.
الجيش الاسرائيلي ووزارة الدفاع يجعلان منا اضحوكة. قواعد الادارة السليمة والانضباط المالي في الموازنة لا تنطبق عليهما. وهما يأخذان من الكعكة الجماهيرية القشطة، الزبدة وحبة الكرز، فيما يبقيان للمجتمع والرفاه الفتات. وبدلا من أن تكون لنا دولة يوجد لها جيش، عندنا جيش توجد له دولة.
" هآرتس"
ترجمة "المصدر" – رام الله
"النهار"




















