ليس صحيحاً أن الأزمة الحكومية التي نعيشها هذه الأيام هي فقط أزمة سياسية مرتبطة بصراعات خارجية وبمصالح إقليمية. فهي بالإضافة الى ذلك (ولا شك أن منطلقها هو كذلك)، أزمة حكم مرتبطة بهشاشة الإجماعات الوطنية التي لا يقوى النظام على التعامل معها.
ذلك أنه في ظل اعتماد منطق "الوحدة الوطنية" في تشكيل السلطة التنفيذية، وفي ظل تطبيق تبسيطي لمبادئ الديمقراطية التوافقية، وفي ظل استخدام كل طرف للمفهوم التوافقي بحسب مصالحه وأهوائه، وفي ظل نصوص دستورية لا مهل زمنية صريحة فيها وقانون انتخابي يرفض النسبية ويتيح لقوى بذاتها اختصار طوائف بأكملها، وفي ظل انتفاء قدرة التحكيم داخل المؤسسات عند نشوب الخلافات، يصبح من الصعب تجنّب الأزمات أو التصدّي لمحاولات التخريب أو التعطيل أو فرض الفراغ.
ولا يهمّ إن كان منبر مخابراتي سوري يسمّى "صحيفة تشرين" قد تحدّث عن "أزمة نظام" في لبنان، كي يهبّ البعض ليرفض القول بذلك. فإن كان غرض "تشرين" إثارة المخاوف والادّعاء أن التجربة الديمقراطية قد ماتت في لبنان، أو أن لبنان لا يستطيع حكم نفسه، فالردّ على ذلك يكون بتبيان الأهداف من خلف الحملة البعثية المتجددة الكارهة لكل تجربة نقيضة لتجارب الاستبداد والحكم الشمولي، والساعية لفرض شروط واستدراج عروض واقتطاع حصص قبل السماح بتشكيل الحكومة. والرد يكون أيضاً بالقول إن النظام في لبنان معلول فعلاً لكونه غير مهيّأ للتعامل مع لحظات اصطفاف مذهبي على هذا القدر من الحدة ومن الخلاف حول أسس التعاقد الوطني وشروطه. لكن البحث فيه وفي سبل إصلاحه لا يكون خلال لحظات الفراغ الحكومي، ولا في ظل الضغط والابتزاز وفائض القوة المسلح لطرف أهلي ذي ولاءات خارجية، ولا قبل تأمين حد أدنى من الاستقرار يتيح الحوار والمشورات القانونية والدستورية لإيجاد التعديلات المناسبة على الصيغ المعتمدة راهناً، على نحو لا يطيح بالمعادلات التي تطمئن مختلف الجماعات اللبنانية.
بلى، النظام اللبناني مضطرب لأسباب داخلية تفسح المجال لتدخّلات وضغوط خارجية. وبلى، إصلاح النظام ضرورة لتحصين الاستقلال في وجه القيّمين على "تشرين" وسواهم، وللسير في بناء دولة تقع السلطة السياسية (والأمنية) داخل مؤسساتها وتحفظ قدراً من الحريات والتوازنات التي من دونها لا أمل بحدوث التغيير يوماً ما، ولا بتخطّي الطائفية…
"الافق"




















