"إن ما جرى خلال ثلاثة اسابيع، نهاية عام 2008 وبداية 2009، من هجوم متعمد وغير متكافئ هدف الى معاقبة وإذلال وترهيب مواطنين فلسطنيين مدنيين، وتدمير جذري لإمكانيات قيام اقتصاد محلي لتأكيد عدم مقدرته او كفايته لإرغامه ليكون اكثر تبعية وعجزا…".
تشير هذه العبارات الواضحة وذات الدلالة التي يزخر بها التقرير، الذي تقدم به الى مجلس حقوق الانسان التابع للإمم المتحدة، (وكان قد انشئ منذ ثلاث سنوات)، في جنيف اواخر الشهر الماضي، القاضي الجنوب افريقي اليهودي ريتشارد غولد ستون، المدعي العام في قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية في البلقان وفي رواندا سابقا، ورئيس فريق الامم المتحدة الحالي" لمهمة تقصي الحقائق حول حرب غزة"، تشير بدقة الى ما هدفت اليه الحكومة الاسرائيلية من خلال اعمال جنودها وضباطها، "اولاد الهولوكوست الذين استطاعوا القيام بأعمال افظع، مما حصل لهم، بشعب آخر" من قتل وتدمير وإذلال.. ومن وقائع القتل بـ"الدم البارد" للإطفال والنساء والشيوخ، وممارسة انواع التعذيب التي فاقت جميع التصورات… لقد أخذ هذا القاضي بعين الاعتبار المعوقات التي يمكن ان تشكل حاجزا امام تنفيذ التوصيات التي توصل اليها، فاقترح منهجية محكمة. وبرر ذلك في كلمته امام اعضاء مجلس حقوق الانسان، الذي يضم 47 دولة وانضمت اليه الولايات المتحدة في الشهر الماضي، بوضع حد " لثقافة الإفلات من العقاب التي تسود المنطقة منذ وقت طويل جدا" وان "ثقافة الحصانة في المنطقة استمرت اطول مما يجب… "، مشيرا، وبوضوح تام، الى ان "الغياب الراهن للعدالة يقضي على اي أمل في عملية السلام ويعزز مناخا يُسهل العنف"؛ اما منهجية التنفيذ فتعتمد على الخطوات التالية: مصادقة اعضاء المجلس على ما جاء في التقرير، ومن ثم إحالته الى مجلس الامن الدولي لاتخاذ قرار يتضمن الطلب من اسرائيل والطرف الفلسطيني إجراء تحقيقات جدية وذات صفة بإشراف خبراء دوليين بالوقائع الواردة في التقرير، واذا ما رفض الطرفان هذا الاقتراح فعلى مجلس الامن إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية خلال ستة اشهر.
استقبل القادة السياسيون والحكومة الاسرائيلية التقرير بعاصفة شديدة من الانتقادات الحادة، حتى القاضي غولد ستون لم ينج من التجريح الشخصي فهو "خائن" و "قذر"، والتقرير "مخز" و"منحاز".. ووصف رئيس الحكومة نتنياهو خلاصات التقرير بأنها "كارثة على السلام والنضال ضد الارهاب". وساد الارباك صانعي القرار في الدولة العبرية، فبعضهم ادعى بأن الحكومة تجري تحقيقات في العديد من الوقائع الواردة في التقرير ومنها قضايا جنائية ولا داعي للخضوع لتوصيات غولدستون، وآخرون نصحوا بتشكيل لجنة رسمية للبحث في المفاعيل السلبية لما جاء فيه والتصدي للملاحقات التي يمكن ان يتعرض لها القادة المدنيون والعسكريون لدى انتقالهم الى الخارج . لقد هدفت الحكومة الاسرائيلية من وراء إشاعة هذه الاجواء امتصاص ردة الفعل الدولية من الجرائم التي ارتكبها عسكريوها اثناء حرب غزة، وكذلك العمل مع حلفائها لصرف النظر عن مصادقة المجلس على التقرير وممارسة الضغوط والتهديدات على السلطة الفلسطينية من انها لن تعود الى المفاوضات اذا تم تنفيذ خطة غولد ستون.
شاركت الولايات المتحدة الاميركية في حملة الانتقادات لخلاصات التقرير، لأن " تحقيقاتها انطلقت من طرف واحد.. " كما جاء على لسان هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، وقال مساعد كلينتون مايكل بوسنر: "نحن نختلف في شدة مع كثير من تقديرات التقرير وتوصياته ونعتقد انه معيب للغاية" وهدد من عواقب احالته على مجلس الامن الدولي قائلا: "اذا طبق هذا المعيار على كل نزاع في العالم فإن دور مجلس حقوق الانسان سيختلف دراماتيكيا"، اما الموقف الاوروبي فكان متحفظا، ما عدا موقف النروج حيث رأى مندوب هذا البلد ان التقرير "جدي".
في هذه الاجواء تقدم المندوب الباكستاني باقتراح تأجيل المصادقة على التقرير الى آذار القادم مبررا اقتراحه الإتاحة لجميع الاعضاء لدراسته بعمق وتأن . في الجانب الفلسطيني، المعني الاول بالتقرير، ساد الانقسام بين السلطة الفلسطينية والاطراف الحاكمة في غزة، حيث اتهمت هذه الاطراف الرئيس محمود عباس بالخضوع للإبتزاز الاسرائيلي وللضغوط الاميركية، وتضييع فرصة نادرة امام الفلسطينيين لفضح وادانة الممارسات الاسرائيلية الوحشية بحق الابرياء والدم الذي اهدرته الآلة العسكرية في حربها على غزة… في حين ردت السلطة الفلسطينية على هذه الاتهامات بأنها ليست عضوا في المجلس لتؤثر في مسار تنفيذ خلاصات التقرير، كما انها شكلت لجنة لتبيان ما جرى ومعاقبة المقصرين الفلسطينيين.. وهكذا، وبدل ان يكون التقرير عامل توحيد للفلسطينيين، اصبح عامل انقسام وتبادل الاتهامات بينهم، وانتقل الارباك من الساحة الاسرائيلية المدانة الاولى الى الساحة الفلسطينية الضحية .
يرى كثير من المراقبين ان الوقت ما زال متاحا امام جميع الاطراف الفلسطينية لتوحيد جهودها والابتعاد عن لغة الاتهامات والعمل بجدية لتبيان مدى صحة وقائع التقرير، إن على مستوى المؤسسات الدولية لإدانة الوحشية الاسرائيلية، وإن على مستوى المنظمات غير الحكومية المؤثرة في القرارات المحلية والدولية.
"المستقبل"




















