ثمة حدثان يبدوان غير مترابطين، للوهلة الأولى، وقعا في الأيام الماضية: إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة بين تركيا وأرمينيا، وإلغاء تركيا للمناورة الجوية الدولية الكبيرة بمشاركة إسرائيل. لكن إذا نظرنا إلى الصورة من وجهة نظر أنقرة، فسندرك أنه ثمة صلة مباشرة بين الحدثين، وهما ينبعان من مصدر واحد.
في السنوات الأخيرة، منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، حدثت عملية إعادة بلورة للإستراتيجية التركية. من دون التنازل عن الرغبة في قبولها كعضو في الاتحاد الأوروبي، بدأت تركيا إعادة فحص موقعها في المنطقة الشرقية والجنوبية لها. وتنبع هذه العملية من سببين تاريخيين بعيدي المدى: الدفء في العلاقات بين تركيا والعالم العربي والإسلامي، والصلة المتجددة مع القوقاز ومع العالم الناطق باللغة التركية إلى الشرق منها.
في العقود الأخيرة فقط، طرأ اقتراب متجدد بين تركيا والعرب والذي تأثر ايضا من التعاطف التركي مع نضال الفلسطينيين. هذه العملية شهدت زخما أكبر بعد تسوية العلاقات مع سوريا في أعقاب تسليم عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردي، وبعد استلام الحكومة الحالية للسلطة، والتي تسعى خلافا للحكومات السابقة إلى دمج الإسلام في الديمقراطية التركية. كما أن غضب الجمهور التركي تجاه إسرائيل أثناء حملة الرصاص المصهور ساعد أكثر في التقارب بين تركيا وبين العالم العربي والاسلامي.
إلى جانب هذه العملية، استأنفت تركيا في السنوات الأخيرة العلاقات مع دول القوقاز ومع الشعوب الناطقة باللغة التركية إلى الشرق منها. فلطالما اعتبرت تركيا القوقاز مجالا حيويا لها، والصلة مع الشعوب الناطقة بالتركية ـ الآذريون، الأوزبك، الطاجيك وآخرون ـ كانوا جزءاً من تصورها القومي الموسع. لكن هذه الصلات انقطعت بصورة شبه تامة خلال الحرب الباردة التي سيطر فيها الاتحاد السوفياتي على كل المنطقة. ومع سقوط الستار الحديدي عادت العلاقات لتنمو، وتحولت تركيا إلى مركز للنشاط الاقتصادي والديبلوماسي بالنسبة للمنطقة.
كل هذه التطورات قادت تركيا إلى إعادة فحص موقعها، والتطلع لتصبح قوة إقليمية عظمى. ثمة من يتحدثون عن "نيو ـ عثمانية" وعن مهمة تركيا في مواصلة إحلال السلام في المنطقة كما فعلت طوال مئات السنين الماضية. ويتحدث وزير الخارجية التركي الجديد عن بناء عمق استراتيجي جديد تكون تركيا في إطاره محورا مركزيا ونقطة التقاء حيوية بين أوروبا، الشرق الأوسط والقوقاز.
هذه الخطة الاستراتيجية تفرض القيام ببعض التغييرات في السياسة الخارجية التركية. إحدى هذه التغييرات تخفيض مستوى العلاقات مع إسرائيل. وعلى الرغم من أن الجيش التركي لن يتنازل بسهولة عن هذه العلاقة الأمنية المهمة، لكن بغية صد الانتقاد من الداخل والخارج ـ صحافيون في تركيا أثاروا غضب الجمهور عندما ادعوا، على سبيل المثال، أن سلاح الجو التركي درب الطيارين الإسرائيليين على طلعات جوية لارتفاعات منخفضة قبل قصف غزة ـ شخّص راسمو الديبلوماسية التركية ضرورة تقليص النشاط العلني بين الجيشين. وبذلك، يضع الأتراك أنفسهم أمام العالم الإسلامي في موقع أكثر حيادية، ولو كان ثمن ذلك المس بالعلاقة مع إسرائيل.
———-
(بروفيسور محاضر في قسم الشرق الأوسط بجامعة بن غوريون)
("يديعوت أحرونوت" 12/10/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل
المستقبل




















