لا أحد يستطيع ان ينكر تفاني الام تريزا من رعاية الايتام في الهند، لكن نيلها المستحق لجائزة نوبل للسلام عام 1979 لم يوقف نهر اليتم والتشرد في اسيا!
ولا يحتاج الدالاي لاما لشهادة من احد تثبت نضاله المرير من اجل حرية التيبت. نال جائزة السلام العالمية ولا يزال يواصل نضاله فيما جبال بلاده الشاهقة لا تزال محتلة !
من يقدر ان يشكك في تفاني محمد يونس وبنك غرامين من اجل التخفيف من معاناة فقراء بنغلادش. لكن هل اوقف نيلهما الجائزة عينها تدفق ملايين البنغاليين الى اتون الجوع والمرض؟ ايضا محمد البرادعي عمل من اجل عالم خال من اسلحة الدمار الشامل ونال الجائزة… لكن هل اوقف ذلك سباق التسلح النووي؟ ومثله في ذلك آل غور الساعي عبثا الى تخفيف الاحتباس الحراري على رغم الجائزة المماثلة التي نالها.
لا شك في ان جميع هؤلاء ومثلهم عشرات من الاسماء اللامعة اعطت وقدمت من اجل السلام العالمي الامر الذي خولها شرف حمل اسم نوبل وجائزته… لكنهم ضمنا استحقوا هذا الشرف على النيات لا على الانجاز، فلا السلام عم العالم ولا الحروب توقفت ولا الرخاء انتشر في شبه القارة الهندية وافريقيا ولا الصراع العربي الاسرائيلي انتهى، على رغم ان اكثر من نصف دزينة من الرجال نالوا الجائزة لدورهم في في البحث عن تسوية لهذا الصراع ( او ربما تأجيجه): السادات، بيغين، كارتر، عرفات، رابين، بيريس و… فلماذا يستكثرون هذا الشرف على اوباما؟
يأخذون على اللجنة انها كافأت اوباما على نياته وعلى رؤيته المستقبلية اكثر مما كافأته على انجازاته، فهو بالكاد امضى ثمانية اشهر في منصبه، ويأمل بقضاء ثماني سنوات فيه على الاغلب، لذلك كان يمكن لقرار منحه الجائزة ان ينتظر.
لكن لماذا لا يقال العكس: ان اوباما منح الجائزة مسبقا بالدفع المؤجل وبات لزاما عليه ان يعمل منذ اليوم وحتى انتهاء ولايته من اجل تكريس السلام ووقف الحروب. وهل من فائدة للبشرية والسلام اكثر من وقف قتل الاطفال والحياة؟
ولعل اول ثمار هذه "الخبطة الذكية" من اللجنة النروجية هو ابعاد شبح المواجهة العسكرية مع ايران، حيث من غير المعقول ان يصادق فائز جديد بجائزة عالمية للسلام على شن حرب مدمرة؟ فهل كبلت اللجنة اليد العسكرية للقائد الاعلى للقوات المسلحة الاميركية عن قصد ام انها كانت رمية من دون رام؟
وربما لهذه "الخبطة" ثمرة ثانية اذا احسن الافادة منها عربيا، اذ صار من الصعب ايضا ان يتبجح نتنياهو امام انصاره والمريدين بانه رد الرئيس الاميركي خائبا عندما طالبه بمجرد تجميد موقت للاستيطان اخذا عليه ان اسرائيل ادرى بشعابها من مقيم حديث العهد في البيت الابيض. ذلك ان الصفة الجديدة لاوباما ستفرض على حاملها وعلى محاوريه احترامها. وبات قول: لا، لداعية سلام "مكرس دوليا" اشبه بالبصق في وجه رجل فاضل.
طبعا الرهان على الاخلاقيات الاسرائيلية اشبه بالاوهام الخرافية. ومع ذلك فان اعضاء الحكومة الاسرائيلية لم يكتموا غيظهم عند اعلان اسم الفائز، وما احجموا عن قوله علنا سربته صحفهم التي صبت غضبها على الجائزة ولجنتها وحاملها.
اسرائيل تشعر انها تلقت بهذا الفوز غير المتوقع صفعة تعادل صفعة تقرير غولدستون وصفعة الغاء مشاركتها في المناورات التركية.. لكن هل تضيع هذه الصفعة كما ضاعت صفعة غولدستون التي نجحت اسرائيل في تحويلها جرحا عميقا في الذات الفلسطينية
"النهار"




















