يثير حدث، بضخامة الحرب الإسرائيلية على غزة، كثيراً من ردود الفعل حول العالم، التي تتأثر بالظروف الثقافية والسياسية في كل موضع أو منطقة، إذ يمتزج التضامن مع الفلسطينيين مع حسابات أيديولوجية محليّة، هي ما ينتج تمثيلات القضية الفلسطينية في وعي المتضامنين على اختلاف ظروفهم. وبالتأكيد لا تتطابق حسابات حركات الإسلام السياسي واليسار في دول شمال افريقيا حول القضية، مع حسابات ما يسمى «اليسار الهوياتي» أو»الأكاديمي» في الدول الغربيّة؛ فيما يبدو وعي فئات كثيرة من مسيّسي المشرق العربي، المتداخلين في صراع طويل مع ميليشيات الإسلام السياسي المدعوم من طهران، في عالم آخر تماماً؛ هذا إذا لم نتكلم عن أفكار المعارضة الإيرانية والتركية والكردية، التي تعمل في إطار مفاهيمي مختلف تماماً عمّا هو مألوف لدى كثيرين، في مشرق العالم العربي ومغربه.
وسط كل هذه التعددية في التعامل مع القضية، التي تقترب من ضوضاء أممية، قد يكون من المشروع التساؤل عن الصوت الفلسطيني «الوطني» الذي من المفترض أن يكون الأساسي، ما دمنا نتحدّث عن قضية فلسطينية، وهو تساؤل صعب الإجابة، في ظروف الانقسام الفلسطيني الحالي، فإذا تجاوزنا سلطة الضفة الغربية، التي لا تملك أي تأثير فعلي على مجريات الأحداث في غزة، سنجد أن مسؤولي حماس عوّلوا، منذ اليوم الأول من عملية «طوفان الأقصى» على «الأمة». إلا أن هذا تعبير مربك بعض الشيء، أين تقع تلك «الأمة» بالضبط؟ وما توجهاتها السياسية، أو آلياتها في الفعل والتضامن؟
من ناحية أخرى، ومع تصاعد التحركات المناهضة للحرب الإسرائيلية في الدول الغربية، بات من الممكن إسقاط أي مقولة على الفلسطينيين وتاريخهم، فبتنا نسمع عن «تمرّد عبيد» «كفاح سكّان أصليين» «نزع كولونيالية» وبغض النظر عن مدى صحة ودقة تلك المقولات، أليس من المنطقي أن يحدد الفلسطينيون أنفسهم، وعبر آلية ما تمثّلهم، نوعية وطبيعة نضالهم ضد ممارسات دولة الاحتلال، ووفق لغة وبرامج ومفاهيم تنطلق من واقعهم هم؟ لا يتعلّق الأمر بنزعة انعزالية وطنية، بل بأسئلة أكثر بساطة: هل يمكن للفلسطينيين أن يتكلّموا في قلب كل تلك الضوضاء؟ وكيف يمكنهم أن يفعلوا ذلك، ما داموا غير مسيطرين على الآليات المنتجة للغة قضيتهم، والثقافة السياسية المتعلّقة بها؟
الذوبان في «الأمة»
يمكن رصد كثير من المتحدثين الفلسطينيين بالتأكيد، من كل التوجهات وفي مختلف المواقع؛ ومن الإسلام السياسي و»اليسار الأكاديمي» وحتى التوجّهات الموصوفة بـ»التطبيعيّة» وتعدد الأصوات قديم بقدم الحركة الوطنية الفلسطينية، إلا أن ما ينقص كل تلك الأصوات، كي «تتكلّم» فعلاً، ما يمكن تسميته «الذات السياسية المتكلّمة» فالفلسطينيون المعاصرون يدون، في كثير من الحالات، مرددين لخطابات، لهم وعنهم، يحدّدها الآخرون. ما يذكّر بأوضاعهم قبل ترسّخ منظمة التحرير الفلسطينية، عندما كان اللاجئون، وإخوتهم من أهالي الأرض المحتلة، ينتظرون الدول العربية وحلفائها كي تؤمّن حقوقهم، التي كانت، آنذاك، ما تزال تعتبر جانباً من معركة قومية، أكثر من كونها حقوقاً وطنية للشعب الفلسطيني.
مفهوم «الذات المتكلّمة» هنا يعني بالتحديد وجود جماعة سياسية، ذات هوية متعيّنة، لا تنفي التعددية بالضرورة، إلا أنها تمتلك آليات لتحديد ما «الصوت الفلسطيني» وفرزه عن غيره، وإكسابه شرعية ما؛ وإنتاج مجموعة من المعايير والمفاهيم والبرامج العمومية، التي تنبني عليها الأقوال الممكنة، في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية. ودون تلك «الذات» يمكن لأي جهة، في أي مكان في العالم، أن تضع أي كلام تريده على لسان الفلسطينيين، بل أن تتحدث بالنيابة عنهم، وهو ما رفضه سابقاً جيل كامل من المناضلين، خاصة بعد هزيمة عام 1967، وصعود المقاومة الفلسطينية عقب «معركة الكرامة» 1968. ليس التضامن مع الفلسطينيين، عربياً وعالمياً، بالأمر الجديد، لكن في ما مضى كانت «القضية» التي حددها وصاغها سياسيون ومفكرون فلسطينيون، هي من يسهم في بناء حركات سياسية حول العالم، وليس العكس؛ بل تقدّم مفاهيم معقّدة حول «التحرر الوطني» و»مواجهة الإمبريالية» وفق الشرط الثقافي والسياسي للنصف الثاني من القرن العشرين، اليوم يبدو أن جانباً مهماً من الفلسطينيين حائر بين خطابات وألسنة الآخرين. إلا أن فقدان الفلسطينيين للقدرة على الكلام، بهذا المعنى، لا تهدد بخسارتهم قرارهم المستقل فحسب، بل أيضاً بتذويبهم في «الأمة» الكبيرة حولهم، وهي كيان معنوي غير محدد، يكثر فيه المتحدثون، وتتشابك علاقات القوة داخله بشكل كبير.
في الحالتين، «الأمة» و»السكان الأصليين» تتحوّل «فلسطين» إلى مقولة ضد الفلسطينيين أنفسهم، ترفعها وتتحدث عنها جهات متعددة، وفق مصالحها وعقائدها الخاصة، وربما كانت الخطوة التحرّرية الأولى للفلسطينيين هي «تحرير فلسطين» من أولئك المتحدثين، كي يعودوا ذاتاً سياسية متكلّمة، قادرة على خوض صراعاتها ومعاركها الفعلية.
هذا التذويب يعني بكل بساطة «تصفية القضية الفلسطينية» وربما كانت إسرائيل أكثر جهة سعت إليه في تاريخ الصراع، إذ اعتبرت أن العرب مجرد لاجئي حرب، وضحية جانبية لمعارك تأسيس الدولة، ويجب أن يندمجوا في الدول التي فرّوا إليها. وبالتالي فإن مفهوم «الشعب الفلسطيني» صاحب الحقوق السياسية والاجتماعية، وعلى رأسها حق تقرير المصير، ما هو إلا حيلة من القادة العرب لتدمير الدولة اليهودية. اليوم، ومع انتهاء مسار السلام المرتبط باتفاقية أوسلو، تؤكد القوى الأكثر تطرّفاّ في إسرائيل أنه لم تعد توجد جماعة سياسية، شرعية وموثوقة، يمكن التواصل معها، سواء في الضفة الغربية أو غزة، وبالتالي يجب أن يُعطى «السكان المحليون» في المنطقة الأولى نوعاً من الحكم الذاتي المحدود في بعض المعازل، أو تُدمج كلها في إسرائيل، ليصير سكانها رعايا دون حقوق مواطنة؛ فيما الأفضل أن توضع غزة تحت انتداب مصري.
انحلال الذات الفلسطينية المتكلّمة، وتفويض شؤونها إلى «الأمة» سيجعل أي حرب أو مقاومة ضد العدو دون أفق، ومهما حققت من «انتصارات» إذ لا يوجد معيار جدّي لانتصار «أمة» بأكملها أو هزيمتها. ومفهوم «الأمة» هذا، مثل تعبير سكان محليين الإسرائيلي، قائم أساساً على رفض اعتبار الفلسطينيين ذاتاً جمعيّة مستقلة، أي نزع سياسية القضية الفلسطينية، بالمعنى الحديث للسياسة، لحساب رطانة «حضارية» أو تاريخية، يصعب الإمساك بها، وقابلة لأي تأويل.
سكان أصليون؟
إذا ابتعدنا عن المنطقة، و»الأمة» فيها، سنجد أن استخدام تعبير «سكان محليين» لا يقتصر على الإسرائيليين، بل يوجد له نظير بين كثير من المتضامنين مع «القضية» في الدول الغربيّة، وهو تعبير «سكان أصليون» أي تشبيه الفلسطينيين بمجموعات إثنية، عانت لقرون من السياسات الكولونيالية، وما زالت حتى اليوم تكافح لمواجهة محاولات اقتلاعها من الأرض، عبر التشبّث بعلاقاتها الاجتماعية والثقافية التقليدية، بالضد من سياسات التحديث والتمدين الرأسمالي المعاصرة. النموذج السياسي الأهم لـ»السكان الأصليين» ليس بقايا الهنود الحمر في الولايات المتحدة وكندا، فهؤلاء مجرد ظاهرة هامشية ضمن «سياسات الهوية» الأمريكية، وتم تحديثهم، وإعادة إنتاج ثقافتهم الأصلية، منذ زمن طويل، وإنما المجموعات العرقية، الفلاحية وشبه الفلاحية، في أمريكا اللاتينية.
تشبيه الفلسطينيين بتلك المجموعات مفتقر للدقّة، لدرجة تثير الاستغراب، فهم أكثر تنوّعاً من أن يكونوا مجرّد «جماعة إثنية» عضوية الهوية؛ كما أنهم لم يعودوا في أغلبهم مجموعات فلاحيّة تكافح للتشبّث بالأرض، بل أبناء مدن وهوامش مدن ومخيّمات وأرياف محدّثة؛ والأهم أن ثقافتهم الحالية ليست «ثقافة أصليّة» إنما أُنتجت وأعيد إنتاجها، طوال عقود، عبر آليات الثقافة الجماهيرية الحديثة، ونتيجة فعل قوى وحركات سياسية منظّمة، مثل منظمة التحرير ومؤسساتها، وكذلك دول اللجوء العربية نفسها، أي إذا تحدثنا عن «فلسطينيين» فنحن بالضرورة نقصد جماعة سياسية بالمعنى الحديث، أو حتى الغربي، فلماذا هذا الخلط؟
«فلسطين» ضد الفلسطينيين
قد تكون الإجابة على السؤال السابق قريبة من الإجابة عن سؤال «الأمة» أي تصفية الذات السياسية للفلسطينيين، لكن بدوافع مختلفة، إذ يرى المتعاطفون الغربيون، من أنصار «السكان الأصليين» أن المسألة الفلسطينية ما هي إلا جانب من صراع تاريخي كوني ضد الكولونيالية و»الرجل الأبيض» يجب التخلّص فيه من المعايير «الغربية» وبالتالي فإن اعتبار الفلسطينيين «شعباً» بالمعنى الحديث، هو نوع من «الاستلاب» للغرب أو الإمبراطورية أو الرأسمالية.
بالطبع، ترتبط حركات «السكان الأصليين» في أمريكا اللاتينية (وجانب مهم من ثقافتهم أيضاً معاد إنتاجه مؤخّراً عبر عمليات «الأصلنة») بأحزاب وقوى سياسية حديثة، و»غربيّة» الطابع، تنافس على الحكم في دولها، وهذا ما يعطيها نجاعتها السياسية، إن وجدت. أما رد الفلسطينيين تماماً إلى هوية «سكان أصليين» ودون أي حديث عن إعادة بناء سياسي لهم، فلن يوصل إلا إلى التقاطع مع التفكير الإسرائيلي بإعطاء حكم ذاتي ما لـ»السكان المحليين» بعد إنهاء كل حديث عن «حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني».
في الحالتين، «الأمة» و»السكان الأصليين» تتحوّل «فلسطين» إلى مقولة ضد الفلسطينيين أنفسهم، ترفعها وتتحدث عنها جهات متعددة، وفق مصالحها وعقائدها الخاصة، وربما كانت الخطوة التحرّرية الأولى للفلسطينيين هي «تحرير فلسطين» من أولئك المتحدثين، كي يعودوا ذاتاً سياسية متكلّمة، قادرة على خوض صراعاتها ومعاركها الفعلية.
كاتب سوري
“القدس العربي”


























