صادق امس مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان في جنيف على تقرير رئيس "مهمة الامم المتحدة لتقصي الحقائق حول حرب غزة" القاضي الافريقي الجنوبي ريتشارد غولدستون، الذي يتهم اسرائيل وحركة المقاومة الاسلامية "حماس" بارتكاب انتهاكات للقانون الانساني الدولي ترقى الى جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية خلال الهجوم الاسرائيلي على غزة اواخر 2008 ومطلع 2009.
وفيما نددت اسرائيل بقرار المصادقة ووصفته بانه "جائر"، رحب به الفلسطينيون وقالوا انه يجب ان يليه تحرك من مجلس الامن .
وبعد مناقشات استغرقت يومين، صوتت 25 دولة على القرار وفي مقدمها الدول العربية والافريقية، وعارضته ست دول بينها الولايات المتحدة، بينما امتنعت 16 دولة عن التصويت او لم تصوت وهو ينص على المصادقة على "التوصيات التي يتضمنها التقرير" الذي اعدته لجنة برئاسة مدعي جرائم الحرب الدولي غولدستون عن الهجوم الذي استمر 22 يوما وانتهى في كانون الثاني 2009. ويدعو "الاطراف المعنيين كافة بما فيهم اجهزة الامم المتحدة الى ضمان تطبيق" التوصيات.
وكان تقرير غولدستون الذي صدر في ايلول قد خلص الى ان اسرائيل وحركة "حماس" التي تسيطر على القطاع، ارتكبتا ما يرقى الى جرائم حرب وربما جرائم ضد الانسانية خلال النزاع. واوصى باحالة نتائج التقرير على مدعي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي اذا لم تجر اسرائيل و"حماس" تحقيقات ذات صدقية في ما نسب اليهما خلال ستة اشهر.
وحصل التصويت بعد يومين من تعرض اسرائيل والفلسطينيين لضغوط دولية خلال مناقشة لمجلس الامن في شأن الشرق الاوسط من اجل اجراء تحقيقات داخلية "ذات صدقية" في جرائم الحرب التي قيل انها ارتكبت.
اقتراح فرنسي
وكانت فرنسا تقدمت في اللحظة الاخيرة باقتراح تأجيل التصويت على القرار ساعتين، لكن مصر تصدت لهذا الإقتراح ورفضته الدول العربية ودول منظمة المؤتمر الاسلامي ودول عدم الانحياز ودول الاتحاد الافريقي وطالبت المعنيين بالشروع في اجراءات التصويت على مشروع القرار كما هو مقرر.
واعتبرت وفود كثيرة في المجلس وعدد كبير من منظمات المجتمع المدني ان المصادقة على تقرير غولدستون "اليهودي الديانة" سينعكس ايجابا في تناول القضية الفلسطينية على الساحة الدولية. وقال البعض إن القضية الفلسطينية بعد اقرار التقرير ليست كما كانت قبل اقراره.
وفشلت كل الحجج التي قدمتها إسرائيل لرفض التقرير بدعم قوي من الولايات المتحدة.
الاسباب الاميركية
وفي شرح للاسباب التي دعت الولايات المتحدة الى الاعتراض على القرار، قال المندوب الاميركي لدى المجلس السفير دوغلاس غريفيث: "لقد عملنا من اجل اصدار قرار يعترف بحق دولة لاتخاذ عمل مشروع لحماية مواطنيها في مواجهة تهديدات لامنهم وفي الوقت ذاته يندد بانتهاكات القانون الدولي بغض النظر عن الفاعل".
واضاف: "هذه ليستـ، ويا للأسف، مواصفات القرار الذي امامنا اليوم".
غولدستون غير راض
وانتقد غولدستون، الذي كان في برن لحضور مؤتمر، قرار مجلس حقوق الانسان ملاحظا انه يستهدف اسرائيل وحدها ولم يتضمن انتقادات لـ"حماس".
واضاف ان القرار مليء باشارات الى "الانتهاكات الاسرائيلية الاخيرة لحقوق الانسان في القدس الشرقية المحتلة"، الا انه يذكر حركة المقاومة الاسلامية.
وقال في تصريحات نشرتها صحيفة "لو تان" السويسرية ان "مشروع القرار (قبل اقراره امس) هذا يحزنني لانه لا يتضمن سوى مزاعم ضد اسرائيل، وليس فيه عبارة واحدة تندد بحماس كما فعلنا في التقرير. آمل في ان يعدل المجلس النص".
ودعا تقرير غولدستون مجلس الامن الى احالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية اذا لم يحقق الاسرائيليون والفلسطينيون في الانتهاكات المنسوبة اليهم بأنفسهم.
لكن القرار الذي اتفق عليه في جنيف يدعو ببساطة الجمعية العمومية للامم المتحدة الى النظر في تقرير غولدستون ويدعو الامين العام للمنظمة الدولية بان كي – مون الى ابلاغ مجلس حقوق الانسان مدى التزام اسرائيل التقرير.
غضب اسرائيلي
وانتقدت وزارة الخارجية الاسرائيلية تبني مجلس حقوق الانسان تقرير غولدستون ووصفته بانه "جائر"، معتبرة انه "يضر بالجهود لحماية حقوق الانسان التي تتفق مع القانون الدولي، وكذلك بجهود نشر السلام في الشرق الاوسط". وقالت في بيان ان "هذا القرار يشجع المنظمات الارهابية في انحاء العالم ويقوض السلام العالمي".
وكرر المندوب الاسرائيلي لدى الامم المتحدة في جنيف السفير اهارون ليشنو يار ان "القرار بالشكل المقترح يشكل مكافاة للارهاب ويوجه رسالة واضحة الى الارهابيين في كل مكان" في حال اعتماده.
وقال وزير الداخلية الاسرائيلي ايلي يشائي ان "الجيش الاسرائيلي تعامل مع (المدنيين) الابرياء بقفاز من حرير"، خلال الهجوم الاسرائيلي، وان قرار المجلس هذا "مهزلة دبلوماسية" و"قرار مناهض لاسرائيل".
وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو دعا الدول الاعضاء في مجلس حقوق الانسان الى رفض تقرير غولدستون. وقال مساء الخميس في ختام لقاء ونظيره الاسباني خوسيه لويس رودريغيز زاباتيرو ان "الدول المسؤولة يجب ان تصوت ضد هذه المبادرة التي تدعم الارهاب وتعرقل السلام".
محاولات نتنياهو
لكن جهود نتنياهو باقناع زعماء دول بمعارضة تقرير غولدستون باءت بالفشل وأوضحت صحيفة "هآرتس" ان رئيس الوزراء كرّس معظم وقته في الايام الاخيرة للموضوع، لكنه فشل في اقناع عدد من نظرائه الاوروبيين بالتصويت ضد القرار، كما كان يعقد اجتماعات يوميا خلال الايام الثلاثة الاخيرة للتشاور في موضوع التقرير.
وقالت انه اتصل يوم الثلثاء ببان كي – مون وطالبه خلال المحادثة التي استمرت ربع ساعة بتأييد الموقف الاسرائيلي، محذرا من ان تبني تقرير غولدستون سيشكل عقبة امام عملية السلام، ووصف هذا التقرير بأنه "سخيف" وانه "جعل الفلسطينيين يصلبون مواقفهم ويرفضون اجراء مفاوضات".
كذلك طالب الامين العام بمعارضة التقرير علنا وتأكيد حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها. واضافت ان بان، الذي كان مستمعا طوال المحادثة، لم يعبر عن تأييده لأقوال نتنياهو وقال في نهايتها انه لا يستطيع العمل على نحو يتعارض وموقف مجلس حقوق الانسان ومواقف الدول الاعضاء فيه، وخلص الى القول: "سجلت اقوالك ولكن لا يمكنني التدخل".
وتحدث نتنياهو ايضا مع رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، ونقلت "هآرتس" عن ديبلوماسي غربي ان المحادثات استمرت نصف ساعة ووصفها بأنها كانت "محادثة صعبة" وأنه برزت خلالها خلافات بين الاثنين.
وكرر نتنياهو خلال اتصالاته مع نظرائه الأوروبيين موقف إسرائيل من التقرير معتبرا ان "التصويت في جنيف من شأنه أن يساعد الإرهاب ويمس بالسلام، وجريمة إسرائيل الوحيدة هي أنه ليست لديها غالبية أوتوماتيكية في الأمم المتحدة".
وادعى ان "الجيش الاسرائيلي هو جيش اخلاقي وهذا التقرير يتهمنا بارتكاب جرائم حرب، لكننا نفذنا خطوات وتحملنا المخاطر كما لم تفعل اية دولة أخرى"، في إشارة إلى الادعاء الإسرائيلي أن الجيش سعى إلى عدم المس بالمدنيين الفلسطينيين خلال الحرب على غزة.
ونسبت "هآرتس" الى مسؤول سياسي إسرائيلي وصفه الجهود التي بذلها رئيس الوزراء لإقناع نظرائه الأوروبيين بمعارضة تقرير غولدستون، بأنه كان يعمل مثل "مسؤول ملف لشؤون غولدستون في وزارة الخارجية"، وعلى رغم ذلك انتهت جهوده بالفشل، اذ لم تصوت فرنسا وبريطانيا ضد القرار بل امتنعتا عن التصويت.
وفي موازاة جهود نتنياهو، تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مرات عدة خلال الأيام الأخيرة وطلب منها التدخل بسرعة من أجل إقناع أكبر عدد ممكن من الدول بالتصويت ضد تقرير غولدستون.
وركزت كلينتون في محادثاتها وجهودها على بريطانيا التي من شأن موقفها أن يؤثر على الموقف الأوروبي العام، وطلبت من وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند تغيير موقفه وبدل الامتناع عن التصويت أن يصوت المندوب البريطاني ضد تبني التقرير، لكنها لم تنجح هي ايضا في ذلك.
ونقلت الصحيفة عن ميليباند إنه إذا عارضت بريطانيا التقرير ولم يعتمده مجلس حقوق الإنسان فإن ذلك سيشكل ضربة شديدة لمكانة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ترحيب فلسطيني
في المقابل، رحب الفلسطينيون بقرار الموافقة على تقرير غولدستون واعربوا عن أملهم في متابعته في مجلس الامن .
وقال كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ان "السلطة الفلسطينية ترحب بقرار مجلس حقوق الانسان…. نأمل ان لا يكون قرار مجلس حقوق الانسان مجرد قرار" و"نأمل في متابعته وفق آليات تنفيذ في مجلس الامن واعتماده اياه ضد الجرائم الاسرائيلية لضمان وقف تكرارها".
وأمل كذلك في "اعتماد القرار في الجمعية العمومية للامم المتحدة".
وصرح الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل ابو ردينه: "نرحب بهذا القرار المهم ونعتبره انتصارا للقضية الفلسطينية وعدالتها وللديبلوماسية الفلسطينية (…) واعترافا دوليا جديدا بالقضية الفلسطينية وبحقوق شعبنا الفلسطيني الثابتة".
ورحبت حركة "فتح" ايضا بالقرار وقال عضو لجنتها المركزية جبريل الرجوب ان "هذا القرار ادانة سياسية وقانونية واخلاقية لاسرائيل وجرائمها". واوضح ان هذا القرار "تتويج للجهد الفلسطيني الذي بذلناه ولتضحيات شعبنا في غزة وانتصار لارادة شعبنا".
كما رحبت الحكومة الفلسطينية المقالة بقيادة حركة "حماس" في غزة باعتماد التقرير.
واعتبر رئيسها المقال اسماعيل هنية تصويت مجلس حقوق الانسان على القرار "انتصارا للحق الفلسطيني". وقدّر موقف الدول التي "صوتت إلى جانب تعرية إسرائيل وفضح جرائمها ومجازرها التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني".
وقال الناطق باسم الحكومة المقالة طاهر النونو: "الحكومة الفلسطينية ترحب بالموافقة على التصويت على تقرير غولدستون وتشكر الدول المصوتة على التقرير". واضاف: "ندعو الى أن يكون التصويت على القرار بداية لمحاكمة قادة الاحتلال".
ورأت حركة "الجهاد الاسلامي" أن "النجاح في التصويت يجب ان يتبعه عزل الكيان الصهيوني دوليا وعربيا".
• في القاهرة، رحبت جامعة الدول العربية بقرار مجلس حقوق الإنسان.
وشدد مدير إدارة حقوق الإنسان في الجامعة السفير محمود راشد غالب على ضرورة أن تكون هذه الخطوة عبرة لإسرائيل بأن تعي أنه مهما انحازت اليها القوى الكبرى إلا أنها لن تفلت من العقاب ومن إدانة المجتمع الدولي لها.
ورحبت وزارة الخارجية المصرية بإعتماد التقرير ايضا.
(و ص ف، رويترز، ي ب أ، أ ش أ)




















