هذا المقال لا يزال موضع تساؤلات سياسية لوروده في صحيفة "الرياض" السعودية وبقلم رئيس تحريرها.
"قضايا النهار" تنشر المقال ويليه التوضيح الذي صدر عن الكاتب في اليوم التالي والتوضيح الثاني في اليوم الثالث في الزميلة السعودية.
أعرف أنه ليس بالأمر السهل.
وصعوبته ليست انفراداً لبنانياً.
وإن كانت الصعوبة ترتدي مظهراً ناعماً لكنها ذات جوهر معقد في لبنان.
ليست انفراداً لأن العالم العربي يمتلئ بمواقع الحلول الصعبة عربياً لكنها المنطقية واقعياً.
رؤية هي إيحاء أكثر من إمكانية الممارسة، والإيحاء غالباً يتمثل في أبعاد الخيال أو العاطفة أما الدخول إلى واقعية ما هو إيحاء فتلك ممارسة الحلم فقط.
أعرف أن الصعوبة تتمثل في ما يخص لبنان بنفس طرح رأي يقول بضرورة توحد دول الخليج في دولة واحدة ما دام يوجد بينها تطابقات كثيرة.. أو رأي آخر يرى أهمية أن تعود السودان إلى امتداد مصر فتدخل في واقع سياسي واقتصادي جديد كان يوجد من قبل.
والأصعب أيضاً أن نقول ماذا يمنع دول العالم العربي أن تكون محكومة بجماعية قرارات الجامعة العربية.
لكن للبنان خصوصية اختلافٍ خطر..
دول الخليج آمنة ومتعاونة حتى ولو لم يجمعها إطار دولة واحدة..
السودان لو تخلص من هواية "الانقلابات" وعاد إلى موضوعيته القديمة كأفضل بلد عربي يحترم أساليب الحكم لحرر نفسه مما هو فيه.
مشكلة لبنان أنه يصعب أن تقوم فيه حكومة قادرة على قيادة الجميع داخل حدوده لأن من هم مختلفون داخل تلك الحدود هم حكومات خاصة لمواقف خاصة ومصالح خاصة.. الذين توارثوا مهمة الانقسامات عبر سنين طويلة تحققت لهم مكاسب خاصة لا يستطيعون الحصول عليها لو "استسلموا" لحكومة عامة.
إننا عندما نتأمل التاريخ اللبناني نجد أن السلام فيه عبر الأربعين عاماً الماضية على الأقل ليس إلا مرحلة "هدنة" وقتية تأتي بعدها الحرب الأهلية كما لو كانت عملاً مشروعاً يتم الاستعداد له والتبشير به من خلال خلق المبررات.
هي مهمة صعبة عندما تقول لماذا لا يعود لبنان إلى سوريا حيث في سوريا حكم قوي قادر على إذابة تعدد الحكومات داخله وفي هذا الحل الصعب لن تستفيد سوريا بالدرجة الأولى لكن لبنان هو المستفيد الأول ومعه عدد ليس بالقليل من المستثمرين العرب الذين واجهوا قسوة الخسائر في بلد جيشه وأجهزة أمنه متعددة الولاءات وسيكون السائح العربي مستفيداً هو الآخر باستعادة الأهمية الجغرافية لمواقع ابتلعها النسيان.
إن "سايكس بيكو" هي التي فصلته فلماذا لا تعيده عروبته؟
13/ 10/ 2009
التوضيح الأول للسديري:
هذا ما أردته عن لبنان وسوريا
تلقيت يوم أمس عدداً من اتصالات زملاء.. يتساءلون: هل كتبت موضوع زاوية يوم أمس الثلاثاء بعنوان «لماذا لا يعود لبنان إلى سوريا؟ لأنك تعتقد أن اللبنانيين يفضلون ذلك؟
أستغرب جداً هذا الابتعاد الشاطح جداً من قبل هؤلاء الذين تناسوا حقيقة الأوضاع اللبنانية. ما كتبته يتعلق بلبنان. لبنان وحده. ولم أكن وحدي من تواجد في دمشق، هناك عشرات من الإعلاميين، بل ربما مئات. من مختلف الهويات ومختلف وسائل الإعلام الفضائية والإذاعية والصحافية. فلماذا لم يكتب واحد منهم ما ذكرته في موضوع الأمس على أنه «خبر».. لولا أن ما كتبته يخصني حول أوضاع لبنان؟ ولذا فالسبب في طبيعة أوضاع لبنان. وأن ما ورد في المقال كان استطلاعاً لتلك الأوضاع ولم يكن خبراً يختفي داخل المقال. ولذا فالخطأ الفادح في الموضوع هو توقيت نشره. لقد عايشت أوضاع لبنان منذ زمن مبكر. منذ عصر حكومة كميل شمعون وكانت فترات السلام بين حرب وأخرى ليست إلا فترة هدنة يتم خلالها الاستعداد لانطلاق الحرب الجديدة.
هذا الواقع اللبناني واضح جداً وخسر بسببه لبنان الكثير من الأشخاص والمصالح وتم افتعال زعامات تنشأ وتقوى مع كل هدنة جديدة.
ما مبررات مقتل رفيق الحريري. الرجل الذي علم شباب اللبنانيين دون اهتمام بالهوية الدينية أو الحزبية؟ كيف يقتل رينيه معوض في الأيام الأولى من رئاسته؟ وسيتواصل التساؤل في ما يخص مقتل أشخاص كان وجودهم يعيق مهمة استئناف الحرب الجديدة من أمثال كمال جنبلاط وبيار الجميل وقبله عمه بشير الجميل وجورج حاوي وجبران تويني وباسل الفليحان ورشيد كرامي، وغيرهم كثير ممن لم يقتلوا وهم مدانون بافتعال إساءات ضد غيرهم ولكنهم قتلوا لأن وجودهم من الممكن أن يعطل قيام حرب جديدة بعد هدنة السلام..
في الواقع كنت أتحدث عن لبنان الذي خسر كثيراً من المستثمرين العرب ومثلهم أعداداً هائلة من السائحين، والمشهد أمامنا داخله الآن يؤكد وجود عدد من الحكومات داخل شعب نزعت سلطته وتم تقسيمها. أردت أن أقول إن السلام في لبنان لن يتوفر إلا بفرضه بواسطة قوة من خارجه.
14/10/2009
التوضيح الثاني للسديري:
نعم لقد أخطأت في تصوري وتعبيري
ليس هناك أصعب من أن تدرك شخصياً حجم خطئك. مناقشات الزملاء. ردود كُتّاب وقراء عبر موقع "الرياض" وعبر "العربية نت" جعلتني أشعر فعلاً أن خبرة ما يزيد عن الثلاثين عاماً قد تضاءلت فيما لا يزيد عن ثلاثة أشهر، فما كتبته عن لبنان في عدد يوم الثلاثاء الماضي بالتصورات الخاطئة التي تضمنها المقال لو وردت في مقال كاتب آخر وطلب مني أن أجيزه للنشر في "الرياض" لكان المنطق يقضي بأن أرفض نشره فكيف يأتي هذا الخلل الكبير في الرؤية للوضع اللبناني من قبلي؟
هذه حقيقة يدركها جميع الزملاء وهي الدافع الأول الذي جعل بعضهم من خارج تحرير "الرياض" يتصل بي مستغرباً ما تم نشره بتوقيعي.
ولعل الأكثر إيضاحاً ما ذكرته في إجاباتي على موقع "العربية نت" وأيضاً بعض المعلقين الذين خطّأوا آرائي البعيدة جداً عن الواقعية..
ألسنا نعيش في عالم عربي كثير النزاعات والمخاطر؟ إذاً لماذا لا نحاول أن نُعين أي دولة أو مجتمع على بناء وحدته من داخله؟
نعم بناء المجتمعات لوجودها الاقتصادي والسياسي هو الأكثر ضماناً لها للحصول على الاستقرار والتوجه نحو تعزيز الوحدة والتضامن، هذا ما كان يجب أن أقوله بحق لبنان، خصوصاً وأنه على وشك إنجاز إعلان حكومته الجديدة. إن التفاهم المحلي بين كل الفئات هو المطلب الأول والأخير لأي شعب يسعى للابتعاد عن مواقع الاختلاف. ولعل لبنان الأكثر احتياجاً لذلك، فهو بلد يملك من القدرات الشيء الكثير ولكي تؤدي هذه القدرات دورها في بناء الداخل يجب أن يسود التفاهم كل الواقع اللبناني. وهو قادر على ذلك بإمكاناته ومواهب مواطنيه التي أعطته بروزاً معروفاً في العديد من خصوصياته.
ولكي تعطي هذه الخصوصيات لمواطنه ما يحتاجه من استقرار فلا بد من أن يفعَّل ذلك التفاهم المحلي بين الجميع.
ليس من الخطأ اعترافي بالخطأ متى وجد، بل من الفضيلة أن أفعل ذلك وأنا قد مارست خطأ في التصور وفي التعبير فكان لا بد من الاعتذار والتصحيح.
15 /10 /2009




















